ستة أيام تفصلنا عن 23 أكتوبر اليوم الذي حدده رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري موعدا لجلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، وعلى الرغم من أجواء عطلة عيد الفطر فإن الشأن اللبناني بقي على نار حامية، وبقي الاستحقاق الرئاسي محور اهتمام ومتابعة على المستويين اللبناني الداخلي والدولي الخارجي.

وكان أبرز ما تحقق خلال هذه العطلة هما اللقاءان المنفصلان اللذان عقدهما البطريرك الماروني نصر الله صفير مع كل من الفريقين المتنازعين، المعارضة التي يطلق عليها اسم «قوى 8 آذار» والأكثرية التي يطلق عليها اسم «قوى 14 آذار»، وهما لقاءان انبثق عنهما قرار بتشكيل لجنة متابعة من الطرفين تتولى التحضير للقاء مسيحي ماروني من أولى مهماته إخراج الاستحقاق من عنق الزجاجة والتوصل إلى تسمية رئيس توافقي قبل 23 أكتوبر الجاري.

ويفيد مصدر مقرب من البطريرك صفير أن أسماء المشاركين في لجنة المتابعة، التي يمكن أن تكون قد تشكلت فعلا مع صدور هذا العدد، ستبقى سرية علما أن المعارضة ستتمثل بنواب ينتمون إليها، فيما أعلنت الأكثرية بأنها لن تتمثل بنواب تحسبا لتجدد مسلسل الاغتيالات السياسية.

في هذا الوقت، ومع انتهاء عطلة العيد مباشرة بدأت تداعيات زيارة رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري إلى واشنطن تفرض ذاتها حيث تسود الشارع اللبناني الآن مقولة نيابية تستبعد التوصل إلى رئيس توافقي وتستند هذه المقولة إلى خلفية موقف الحريري الذي يروج فيه لرئيس يكون مرشحا حكما من قبل الأكثرية وتعتبر أن هذا الموقف هو انعكاس لموقف الإدارة الأميركية،.

فيما يفترض بالرئيس التوافقي ألا يكون منتميا لأي من الطرفين، ويعرب أصحاب هذه المقولة من النواب عن اعتقادهم بأن جلسة 23 أكتوبر النيابية لن تنجح في انتخاب الرئيس مما يضع لجنة المتابعة في سباق مع الزمن وأمام تحديات شبه مستحيلة، وأكثر من ذلك فإن هناك من هؤلاء النواب من يرى أن الأكثرية قد اتخذت فعلا القرار بانتخاب رئيس للجمهورية بنصاب النصف زائد واحد في الفترة الواقعة بين أول نوفمبر المقبل والرابع عشر منه.

ويكشف هؤلاء أنه وعلى الرغم من أن قوى الأكثرية تطرح اسمي نسيب لحود وبطرس حرب كمرشحين جديين للرئاسة، إلا أن ثمة توجها لديها لطرح أسماء إضافية عدة قد يكون من بينها اسم وزير العدل اللبناني الحالي شارل رزق على أساس أنه عراب المحكمة الدولية الذي تضعه الأكثرية كشرط يفترض بأي مرشح للرئاسة أن يلتزم به وبتطبيق القرارين الدوليين 1701 و1559، مع الإشارة بأن الوزير رزق.

وهو مستشار الرئيس أميل لحود لشؤون الفرنكوفونية، قد ضحى بعلاقة عمرها أكثر من 25 عاما مع الأخير لصالح السير بالمحكمة الدولية ووضعها موضع التنفيذ. ومع التنويه بعلاقات رزق الفرنسية كشخصية فرنكوفونية فإن تزكية الأكثرية له يعتبر ثمنا لموقفه المؤيد والمدافع عن المحكمة من جهة، وضمانة للأكثرية بأنه سيسير في طريق المحكمة حتى تحقيق العدالة من جهة ثانية.

بدورها، فإن قوى المعارضة ترى في كل ما ذكر «عملية انتحارية» من قبل الأكثرية وتلوح في المقابل بخطوات تصعيدية ليس أقلها تشكيل حكومة ثانية وتقسيم مؤسسات الدولة تمهيدا لوضع قانون جديد تجري استنادا إليه الانتخابات النيابية واللجوء إلى احتلال القصر الحكومي.

كما تشكك المعارضة بإمكانية نجاح الأكثرية في تأمين نصاب النصف زائد واحد، إلا أن نائب محايد ينقل عن مصدر في قوى الأكثرية القدرة على تأمين 68 نائبا مواليا لها من أصل 129 نائبا، يضاف إليهم 5 نواب من المعارضة قدموا وعودا بالتصويت إلى جانب الأكثرية وهؤلاء النواب هم بمثابة وديعة سرية لن يكشف عن أسمائهم، إلا أن النائب المحايد يرى أن المراوحة في الجدل الداخلي لا يجب أن تحجب الأنظار عما يدور في الخارج، وهو يتوقف عند 4 مؤشرات يجب متابعتها عن كثب في الأيام القليلة التي تفصلنا عن 23 أكتوبر:

أولا ـ إعلان الرئيس السوري بشار الأسد أن الوضع في لبنان لن يجد طريقه إلى الاستقرار مع ما يحمله هذا الإعلان من تفسيرات حول عدم وجود نية سورية بتسهيل الانتخابات الرئاسية في لبنان.

ثانيا ـ فشل الوساطات في إحداث أي خرق في الجدار الذي يقطع الطريق راهنا على أي تفاهم سوري ـ سعودي.

ثالثا ـ عدم وجود أي أفق لحلحلة الأزمة التي تمر بها العلاقات السورية ـ الأميركية والسورية ـ الفرنسية بما يشير إلى انعدام أي تأثير لتلويح فرنسا بسياسة العصا والجزرة تجاه سوريا.

رابعا ـ التوتر الذي ما زال يفرض ذاته على العلاقات الأميركية ـ الإيرانية وما يتركه من انعكاسات على الوضع في لبنان وسط شبه إجماع داخلي وخارجي على اعتبار «حزب الله» ذراعا استراتيجية لإيران في المنطقة.

وكخلاصة لكل ما تقدم من قراءة للوقائع اللبنانية المحلية، وللمجريات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الداخل اللبناني، وفي انتظار مرور الأيام الستة التي تفصلنا عن 23 أكتوبر، يبرز في المقدمة سؤال واحد: هل ستنجح الضغوطات والوساطات الدولية في مساعدة اللبنانيين على تمرير الاستحقاق قبل التفرغ لتصفية الحسابات الإقليمية أم أن العكس هو الصحيح؟

كاتب لبناني

ghassan.habbal@albayan.ae