الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس بوتين أمس إلى طهران، تأخذ أهمية خاصة. بل استثنائية. ليس فقط لأنها الأولى لسيد الكرملين، منذ عام 1943؛ يوم زارها الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين لحضور القمة الثلاثية مع تشرشل وفرانكلين روزفلت. بل أيضاً وأساساً لحصولها في هذا الظرف بالذات.

ملف النووي الإيراني يدنو من درجة الغليان . الحديث عن عمل عسكري ضد طهران، صار مادة متداولة يومياً في بورصتي السياسة والإعلام. خاصة الأميركيتين. وكذلك الحديث عن تشديد العقوبات عليها، والمخاوف السائدة، من تداعيات مثل هذا التصعيد، لو أخذ طريقه إلى التنفيذ؛ مشروعة. وتبدو تطورات هذا الموضوع وكأنها في سباق مع الزمن.

وفي هذه اللحظة التي تراجع فيها ـ مقارنة مع السابق ـ الاتحاد الأوروبي عن لعب دور الوسيط بحثاً عن مخرج دبلوماسي وانتقل إلى الموقع المتشدد مع طهران؛ قفز بوتين على ما يبدو إلى أخذ زمام المبادرة والاضطلاع شخصياً بهذا الدور.

وتميل التقديرات، في ضوء المعطيات الراهنة إلى ترجيح كفة نجاحه في التوصل إلى صيغة تؤدي إلى المخرج المطلوب فهو الوحيد القادر على اجتراح مثل هذا الاختراق؛ بحكم علاقة روسيا القوية بإيران؛ كما بحكم حرصه على عدم نسف الجسور مع الغرب.

رسمياً جاء بوتين إلى طهران للمشاركة في قمة دول حوض بحر قزوين الخمس؛ المقررة للبحث في الترتيبات القانونية اللازمة لتحديد حقوق هذه الدول في موارد الطاقة التي تختزنها منطقة الحوض.

وكان من الملفت ان تنتشر، عشية هذا الحدث، إشاعة حول احتمال عدوله عن الذهاب إلى طهران؛ لأسباب أمنية، بناء على معلومات استخباراتية زعمت وجود مؤامرة لاغتياله في العاصمة الإيرانية. وكأنه كان هناك متضرر من زيارته فحاول التخريب عليها.

بوتين ضرب بهذا الكلام عرض الحائط وحضر، طبعاً موضوع القمة هام وحيوي؛ نظراً لغزارة النفط والغاز في المنطقة المشتركة؛ كما لان هناك خلافات حول توزيع حصص هذه الموارد. لكن جدول الزيارة لم يقتصر على الاجتماع. تضمن أيضاً لقاءات مع الرئيس أحمدي نجاد ومع المرشد الأعلى علي خامنئي. وعشية سفره إلى طهران أكد بوتين، من ألمانيا، بأنه ذاهب للتفاوض مع الإيرانيين بالنيابة عن الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

وكان قد حذر واشنطن وبعض الأوروبيين من عواقب محاولة «اجبار» إيران؛ على التجاوب بخصوص الملف النووي. موسكو كانت ولا تزال تشدد على وجوب التعاطي مع هذا الموضوع «بالطرق السلمية وبالروية» لان التهديد «لا يؤدي إلى نتيجة». وكان الرئيس بوتين قد أعلن قبل أيام أمام ضيفه الرئيس الفرنسي ساركوزي بأنه لا يملك دليلاً على سعي إيران لامتلاك السلاح النووي. قال: «لا معلومات موضوعية نملكها» تؤكد ذلك.

على خلفية هذا الموقف الممانع للتصعيد مع إيران، يأتي بوتين ليخاطب القيادة في طهران، حول أزمة النووي. رصيده لديها من العيار الوازن، ولو ان حكومته قررت تجميد وتأخير العمل في مفاعل بوشهر. كما رفضت تزويد هذا الأخير باليورانيوم، الا قبل ستة أشهر من بدء تشغيله.

قيل ان السبب يعود لتأخير طهران في تسديد المتأخرات المالية للمشروع. لكن يبدو ان في الأمر أكثر من ذلك، وبكل حال تبقى زيارته ورقة تكسر العزلة عن إيران وتعزز رصيده لديها فهذه فرصة لتزخيم دور موسكو الخارجي ولإثبات ان طريق النووي الإيراني لابد ان يمر في موسكو، كما أنها فرصة لطهران للخروج من الأزمة بأقل الخسائر.