في الولايات المتحدة شعور عام بأن أميركا قد تطورت في العراق أكثر مما يجب، وبأن عليها أن تغادر وبأسرع وقت ممكن، في الكونغرس جلسات استماع متواصلة، وفي المكتبات كتب جديدة تدفع بها دور النشر كل يوم تتحدث عن تحليلات وتفسيرات وقراءات مستقبلية لصورة الولايات المتحدة أمام العالم وفي عيون الرأي العام، ولقيم الديمقراطية والحرية التي هبطت أسهمها بسبب ممارسات القوات الأميركية في العراق، وهناك منظمات وجماعات وتجمعات معارضة ومناوئة للحرب وللبقاء، ولكن النتيجة سلبية جداً.

النتيجة، أن الرئيس بوش وإدارته ماضون في تخبطهم وسياستهم، بل وراغبون عن سابق إصرار وترصد في زيادة الطين بلة تحت أرجل جنودهم في العراق وذلك بالتحضير لضربة سريعة وقاصمة لإيران يسمونها خطة «مات الملك»، ويمعنون في الإعلان عن تحقيق انتصارات على الأرض، وعن عدم الانسحاب وعن قمع التظاهرات المناوئة للحرب ضد العراق.. إذن فالنتيجة ليست في صالح الحرية ولا الديمقراطية ولا في صالح العراق إطلاقاً.

يقولون بأن الوضع سيصل إلى حالة كارثية إذا تم سحب القوات الأميركية من العراق، فهل هناك كارثية أكثر مما هو حاصل في بلاد الرافدين؟ هل هناك كارثية أكبر من هذا القتل المجاني اليومي للناس بحجة مهاجمة كوادر من القاعدة أو اجتماعات للقاعدة؟ هل هناك كارثية أبشع من انهيار العراق انهياراً تاماً وتحقيقه المركز الأول لحالات الفساد والإرهاب وتفشي الأمراض والأمية والفقر والاغتصاب وانعدام الأمن؟

قائد القوات الأميركية السابق في العراق يقول بأن بقاء القوات الأميركية في العراق كابوس بلا نهاية وبأن الإدارة الأميركية تستحق المحاكمة، والقائل نفسه قد شارك في أبشع فضيحة حدثت في بلاد الرافدين والتي أطاحت به نهائياً، وهي فضيحة سجن أبو غريب التي هزت العالم، ثم هدأت كأن شيئاً لم يكن! وماذا بعد؟

الجنود الأميركيون يدفعون بدولارات جديدة للصبية العراقيين كنوع من العيدية صباح عيد الفطر، بينما ينظر الأطفال للجندي وللدولارات وعيونهم ممتلئة بألف سؤال وسؤال، لماذا صارت العيدية بالدولارات؟

ولماذا تتوافر الدولارات بهذه الكثرة في أيادي البعض في العراق، بينما تناشد منظمات الأمم المتحدة العالم بأن يدفع تكاليف التعليم ومكافحة أمراض الطفولة؟، ولماذا على العالم أن يساعد العراق في مجال التعليم وأموال العراق تطير من فوق رؤوس العراقيين لتمول القوات الأميركية وجماعات القتل، وأعمال الإرهاب والتهريب والتدمير؟

سؤال وحيد يحتاج كل عربي لمعرفة إجابته: ماذا يفعل الأميركان في العراق بخلاف سرقة النفط، وحراسة الفساد، ماذا يفعل الأميركان في العراق طالما أنهم غير قادرين بكل عددهم وعدتهم على منع القتل وإقرار الأمان؟ وكيف يدّعون أنهم يحرسون السلام العالمي ويحمون الأمن الدولي؟ متى سيعيّد العراق فعلاً؟ حين سيخرج الأميركان من أراضيه، فهل نعيش حتى نرى ذلك اليوم؟

ayya-222@hotmail.com