حينما نتطلع إلى الملتقيات الثقافية كساحة للحوار بين الشعوب، وللمهرجانات الفنية كوسيلة للحوار بين الثقافات، فإن الحوار.. أي حوار يفرض أن تمثل فيه كل الثقافات، الثقافة واحدة تروج لأفكارها من طرف واحد في غياب الثقافات الأخرى، وإلا أصبح غزواً لا حواراً..

وفى كل حوار نأمل دائماً أن تلعب الثقافة دوراً لوصل ما تقطعه السياسة غير الواعية، ولقطع الصلة مع ما تفرضه السياسة غير الرشيدة، ولإصلاح ما تفسده السياسة، لا لقطع ما تربطه السياسة الواعية ولا لإفساد ما تصلحه السياسة الرشيدة.

ولا يعني ذلك أبداً قطع الصلة بين الثقافة الصحيحة والسياسة الرشيدة، ولكن لقطع الصلة بين الثقافة المريضة التي تناهض تحرر الشعوب من الاستعمار والاستغلال والعنصرية من خلال الكتاب أو الفيلم والسياسة الاستعمارية التي تحتل أراضي الشعوب وتسعى لمصادرة الإرادة الوطنية ولتذويب الثقافات القومية.

وفى الوقت الذي ننظر فيه إلى العلاقة بين الثقافة والسياسة، فإننا لا ننفي الصلة بين الثقافة والسياسة، ولكننا لا نوافق أبدا على توظيف السياسة للثقافة بطريقة مغرضة لاستخدامها كغطاء أو سيلة للترويج لسياسات صهيونية أميركية شرق أوسطية سواء في إطار مشروع «شيمون بيريز» الصهيونى المسمى بالشرق الأوسط «الجديد»، أو مشروع «جورج بوش» الأميركي المسمى الشرق الأوسط «الكبير».

وهما في الواقع وجهان لمشروع سياسي وثقافي وإعلامي واحد يستهدف بالتقسيم إعادة رسم خرائط المنطقة العربية والإسلامية والفصل بينها جغرافيا وتاريخيا وسياسيا وثقافيا لإخضاعها للسيطرة الصهيونية تحت الهيمنة الأميركية بمناهضة للوحدة الوطنية والقومية لشعوبنا.

ليس هذا فقط بل أيضاً بالتدخل لتحريف ثقافتنا ومناهجنا وبتصدير إسلام بالمواصفات الأميركية، بينما يجرى التعتيم على مشاريعنا الثقافية والحضارية الإنسانية بمعايير سياسية مريضة تحكمها الأحادية وليس بمعايير إنسانية سوية تحكمها العدالة العالمية.

إن العلاقة السوية بين الثقافة والسياسة لا تكون بتسييس الثقافة حتى لا تكون الثقافة مجرد صدى تابع للسياسة، ولكن بتثقيف السياسة حتى تقوم الثقافة بقيمها الإنسانية العادلة بأنسنة وترقية وتحرير السياسة من العسكرة والعنصرية والهيمنة، لا أن تقوم السياسة غير الرشيدة بمعاييرها اللا إنسانية المزدوجة أو المنحازة أو الغاصبة بتوظيف وسائل الثقافة لخدمة الأغراض المشبوهة لسياسات الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية على شعوب العالم.

وللارتباط الشديد بين الثقافة والسياسة فبالرغم من اعتراض الأوساط الغربية على تدخل السياسة في مهرجانات الثقافة فلقد شهدت حفلات توزيع جوائز «الأوسكار» السينمائية أوضح تعبير عن الرؤى السياسية للأحرار من الفائزين في شكل صرخات ونداءات لملايين المشاهدين في احتجاج ثقافي على بعض السياسات الإجرامية.

ففي عام 1973، رفض الممثل مارلون براندو جائزة أفضل ممثل عن فيلم «العراب» احتجاجا على الطريقة التي تعامل بها هوليوود الهنود الحمر. وفي عام 1978، هاجمت الممثلة البريطانية فانيسا ريدغريفعد تسلمها لجائزة أفضل ممثلة مساعدة عن فيلم «جوليا»، السياسة الإسرائيلية في لبنان ووصفت بعض المحتجين أمامها بـ «السفاحين الصهاينة»، في إشارة إلى إحدى جماعات الضغط اليهودية التي طالبت شركة «فوكس» بعدم التعامل مع ريدغريف بسبب مواقفها مع العرب.

وفي عام 1993، فتح الممثل تيم روبنز وزوجته سوزان ساراندون الستار عن 266 مصابا بالإيدز تحتجزهم الولايات المتحدة الأميركية في خليج غوانتانامو. وفي عام 2003 وقبل أيام من بدء العدوان الأنجلو أميركي على العراق، انعكس في حفل «الأوسكار» الجو السياسي للرأي العام العالمي المحتقن في كلمات أكثر من فائز.

كان أكثرها إثارة هي كلمات المخرج الأميركي الشهير «مايكل مور» الذي فضح السياسات والممارسات العسكرية اللا إنسانية في العراق والعالم عندما هاجم الحرب على العراق مرددا بصوت عال..

«عار عليك بوش،.. عار عليك بوش»!