تعيش فرنسا منذ انتخاب رئيس جمهوريتها الجديد نيكولا ساركوزي على إيقاع «القطيعة». والمسائل الإستراتيجية ليست بعيدة عن هذا التجديد السياسي. هكذا طلب الرئيس من لجنة مؤلّفة من موظفين كبار وجامعيين وسياسيين من الأغلبية والمعارضة صياغة تقرير شامل جديد «كتاب ابيض» عن المسائل الدفاعية. إن آخر عمل كهذا يعود إلى عام 1994، أي إلى فترة سابقة بكثير على تفجيرات 11 سبتمبر2001.
بالتوازي مع أعمال هذه اللجنة لم يبق الرئيس في موقع المتفرّج. ففي خطابه أمام لقائه السنوي مع السفراء الفرنسيين في العالم تحدّث عن ضرورة إعادة النظر في العلاقات بين فرنسا والحلف الأطلسي.
لم ينخدع المعلّقون فيما عناه فتحت ذلك التعبير الغامض كانت تكمن مسألة إعادة اندماج فرنسا في البني العسكرية للحلف الأطلسي. وهذه مسألة حساسة جدا في فرنسا كما تثير اهتماما مشروعا في الخارج. فهل فرنسا بصدد القيام بانعطافة كبيرة على صعيد سياستها الخارجية وسياستها الدفاعية؟
كان الجنرال ديغول هو الذي أخرج فرنسا من البنى العسكرية للحلف الأطلسي. وكانت فرنسا قد احتفظت بشكل ملموس في هذا الحلف لكن دفاعها أصبح مستقلا حياله وحيال الولايات المتحدة. مع ذلك من الصحيح القول إن عقيدة الردع التي أرادتها فرنسا ابتعدت جذريا عن عقيدة الحلف الأطلسي .
انها قامت على أساس الرد الفوري في حالة قيام حرب مع الاتحاد السوفييتي على قاعدة عدم القبول إطلاقا بمواجهة نووية بأسلحة تكتيكية فوق الأرض الأوروبية حسبما كانت تنص الاستراتيجية التي فرضها الأميركيون من اجل تجنب تبادل رشقات صواريخ عابرة للقارات بين أوروبا وأميركا.
كانت فرنسا قد اقتربت في الواقع من الحلف الأطلسي منذ مطلع عقد التسعينات الماضي ونهاية الحرب الباردة. الأمر الذي يمكن تفسيره بكون ان الحلف الذي لم يتدخل عسكريا طيلة فترة الحرب الباردة لجأ إلى التدخل العسكري في البلقان ثم في أفغانستان ضمن إطار إدارة الأزمات أو ضمن إطار عمليات المحافظة على السلام والاستقرار. وبهدف التمكّن من المساهمة بفعالية في تلك العمليات اندمجت فرنسا من جديد في بعض هيئات الحلف الأطلسي .
وفي عام 2002 قررت أيضا المساهمة في قوة الرد المباشر التي أنشأها الحلف الأطلسي وشارك بعض الضباط الفرنسيين في قيادة الحلف المتبدّلة. إن فرنسا غائبة عن هيئتين أطلسيتين فقط هما لجنة تخطيط الدفاع ومجموعة التخطيط النووي. كما ان الضباط الفرنسيين لا يشاركون في القيادة الدائمة للحلف الأطلسي.
وفي عام 2005 كانت المفارقة في الموقف الفرنسي كاملة. فمن جهة احتلّت فرنسا الرتبة الثانية من حيث المشاركة بالجنود في عمليات الحلف الأطلسي المرتبة الرابعة على صعيد تزويده بالمال. من هنا يطرح السؤال: لماذا لن تندرج فرنسا من جديد في الحلف الأطلسي؟.
إن الحجج التي قدّمها أنصار عودة الاندماج في البنى العسكرية المتكاملة ليس لها علاقة كبيرة بالتوازنات الدولية. وهؤلاء يرون إن وجود فرنسا «داخل وخارج» الحلف الأطلسي لا يسمح لها بامتلاك وزن على مستوى مساهمتها الحقيقية. كذلك يرى البعض داخل الاتحاد الأوروبي أن فرنسا في موقعها المتراجع حيال الحلف الأطلسي تريد ان تجعل من الدفاع الأوروبي سلاحا مضادا للحلف وبالتالي فهو مضاد لأميركا.
من هنا تصبح عودة الاندماج في الحلف الأطلسي هي الشرط الضروري بالنسبة لفرنسا كي تقنع حلفاءها أن أوروبا الدفاعية ضرورية لكنها لا ترمي إلى أن تكون وزنا مقابلا للولايات المتحدة.ويبرر مناهضو عودة اندماج فرنسا في الحلف الأطلسي موقفهم بثلاثة أسباب:
هناك أولا الكلفة. إذ سيكون من المطلوب تقديم مساهمة كبيرة في البنية العسكرية المتكاملة في وقت تمنع فيه صعوبات الميزانية فرنسا من الحصول على الاعتدة التي تحتاج لها جدا مثل طائرات النقل الاستراتيجي أو الطائرات العمودية للنقل التكتيكي.
ويرى آخرون أن الحلف الأطلسي قليل الفائدة والمهم هو العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. والعودة إلى البنية العسكرية للحلف الأطلسي سيتم النظر إليها على أنها انحياز للموقف الأميركي. هذا الموقف هو الذي يدافع عنه هوبير فدرين وزير الخارجية الفرنسي الأسبق.
أخيرا يمكن اضافة حجة ثالثة. وهي ان الانسحاب من البنية العسكرية الأطلسية عام 1966 أمكن تفسيره آنذاك بإرادة فرنسا عدم التورط «آليا» في المواجهة بين الغرب والشرق. لقد كانت فرنسا داخل التحالف الغربي بمواجهة تهديد الأنظمة الشيوعية وقوة الاتحاد السوفييتي وبنفس الوقت كان يمكنها أن تلعب دور صلة الوصل بن الشرق والغرب والتمهيد للحوار والوفاق ولتصالح قارة مع نفسها من الأطلسي إلى الاورال.
لكن لا شك أن مثل هذه الخصوصية قد فقدت فائدتها منذ انهيار جدار برلين. ثم إن نهاية التهديد السوفييتي سمحت لأوروبا الدفاعية أن تبني نفسها إذ غدا الأوروبيون أقل تبعية للقوة العسكرية الأميركية. لكن لنفس السبب أيضا غدت خصوصية موقف فرنسا حيال الحلف الأطلسي مبررة بدرجة أقل.
ان التوترات تتعاظم أكثر فأكثر من جديد. وربما ان «صدام الحضارات» لم يعد للأسف مجرّد فكرة. وانطلاقا من هذا هل هذه هي اللحظة المناسبة للاندماج من جديد في بنية قد تبدو كتحالف عسكري يحمل القيم الغربية ضد بقية العالم؟ وإذا أخذنا بالاعتبار إشكالية الردع النووي، هل يمكن لاستقلالنا الذاتي ان يزول إذا فكّر الحلف الأطلسي ان يقيم ذات يوم منظومة دفاعية مضادة للصواريخ مربوطة مع المنظومة الأميركية للردع والدفاع المضاد للصواريخ؟
هذه الأسئلة كلها هي التي ينبغي التعرّض لها في النقاش الذي يبدأ بفرنسا إنّما الذي ستكون له نتائجه على التوازن الاستراتيجي العالمي.
كاتب ومحلل سياسي ــ باريس