تتجول الوزيرة رايس في العواصم المعنية بالمنطقة، تحت يافطة الوسيط، ووساطتها مزدوجة؛ من جهة تعمل على التقريب بين أولمرت ووزرائه، كما يقال، ومن جهة ثانية تقوم بالسعي لتضييق شقة الخلاف بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، محور هذه المهمة الثنائية هو مؤتمر أنابوليس، إدارة الرئيس بوش تريد ضمان انعقاده أولاً؛ وخروجه بما يحفظ ماء الوجه ثانياً.

بخصوص الشق الأول تعمل على حمل الطرفين للخروج بـ «بيان مشترك»، يمهد للمؤتمر، أما حول الشق الثاني كل ما تبغاه هو التوصل إلى «إعلان مبادئ» يطلع بها اللقاء؛ على أن تترك تفاصيل الاتفاق النهائي للمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية على هذا الأساس حرصت الوزيرة على خفض سقف التوقعات، لئلا «ينفرط المؤتمر قبل انعقاده»؛ وكي لا تكون الخيبة كبيرة، وبالتالي الضرر كبيراً للمتبقي من المصداقية الأميركية، وكأن المؤتمر هو الغاية وليس السلام.

بهذا الأفق بدأت رايس جولتها المكوكية الطويلة 5 أيام وربما أسبوع، كما بدأتها على خلفية، أو بالترافق مع عدة خطوات اتخذتها إسرائيل؛ لا تشير سوى إلى غياب الجدية في السلام، فقد جددت مصادرة الأراضي والاستيطان الواسع، قرب القدس كما جددت الحفريات لبناء جسر في حي باب المغاربة، المقدسي وفي الوقت ذاته اختار أولمرت وزيرة خارجيته ليفني لرئاسة الوفد الإسرائيلي إلى مؤتمر أنابوليس، وهي الصقر المعروف والمتحفظة في أحسن الحالات، على صدور حتى بيان مشترك.

يسبق المؤتمر الرسالة من كل ذلك أن إسرائيل تلعب على حبال، تعفيها من المشي على الطريق المؤدي للسلام، ولكن بماذا ردت إدارة بوش على ذلك؟

ردت بما يشبه التجاهل. بالكاد غمزت وبتلميح غير مباشر خجول ـ في أحسن أحواله ـ من زاوية بعض هذه الخطوات، رايس اكتفت بدعوة إسرائيل إلى «الامتناع عن القيام بما يؤدي إلى تقليص ثقة الفلسطينيين»!! وكأن ما قامت به ليس عدواناً على حقوق فلسطينية، فقط هو يؤذي الثقة الفلسطينية!

وفي مقابل هذه الإشارة الباهتة إلى إسرائيل ومصادرة الأراضي، تزمع الوزيرة حسب ما تردد «مطالبة العرب بتشجيع أبو مازن على المضي في التفاوض مع أولمرت» طبعاً بشروط هذا الأخير، ترجمة ذلك، مطالبتهم بالضغط على الرئيس الفلسطيني، وكأنه بقي هناك شيء يمكنه تقديمه؛ بعد أن وصل إلى الحد الأدنى من المقبول والمعقول.

ومع ذلك لا تتردد الأوساط الإسرائيلية وبصفاقتها المعهودة في الزعم بأن الجانب الفلسطيني يعمل ويستغل الفرصة «للابتزاز ورفع سقف المطالب والشروط» على أرضية اغتنام فرصة «اهتمام إدارة بوش بنجاح المؤتمر»!

عندما يصف مصدر فلسطيني ـ ومعه أطراف عربية ـ بأن إسرائيل لا تريد من المؤتمر أكثر من «مهرجان إعلامي»؛ فإنه يصيب عين الحقيقة، لكن الحقيقة الصارخة الناصعة أكثر هي أن إدارة الرئيس بوش تتغاضى عن تحايلات إسرائيل وتهربها المزمن من موجبات السلام بل هي تعمل على تسويق التعجيز الإسرائيلي وهروب أصحابه من الاستحقاق والالتزامات والشروط اللازمة للسير على سكة السلام، لبّ هذا الخلل يكمن في طبيعة الدور الأميركي؛ بما هو دور الوسيط؛ في صراع لا واشنطن صالحة للتوسط فيه ـ باعتبارها منحازة إلى إسرائيل بل شبه متطابقة مع مواقفها ـ ولا فعالية فيه للوساطة.

تل أبيب لا تتراجع إلا بلي ذراعها، وواشنطن هي القادر الوحيد على ذلك، مارسه إيزنهاور سنة 1956، كما مارسه كارتر على صقر الصقور الإسرائيليين بيغن في كامب دافيد، كما مارسه حتى بوش الابن بلسان وزير خارجيته باول من خلال مطالبة إسرائيل بالانسحاب من شمال غزة بعد اجتياحه، في كل هذه الحالات أجبرت واشنطن تل أبيب على الانصياع، والآن يتكرر السؤال: هل واشنطن راغبة في حمل إسرائيل على القبول بدولة فلسطينية أم لا؟ ما عدا ذلك كله لغو ولغط.. ومناورات.