يعتقد بعض العرب المقيمين في الغرب بأنه قد بات من الضروري تسويق ظاهرتين جديدتين للتداول الصحافي والدبلوماسي العربي، وذلك من باب الإفادة في مواجهة الحملة التي نواجهها في العالم الغربي من بعض صغار النفوس ممّن يدّعون حرصهم على البشرية ومستقبلها الحضاري أكثر من العرب على اختلاف انتمائهم الديني.
الظاهرتان هما «اللا إسلامية» و«اللا عربية» المرادفتان عن قصد لظاهرة «اللاسامية» التي تعج بها مجتمعات أوروبا والمنتديات الفكرية الباهتة التي تعقد فيها بين وقت وآخر، واللتان أصبحتا تشكّلان انعكاسا لحالة صعبة يعيشها من شاء قدره أن يكون جزءا من الأقليات العربية المتناثرة في مجتمعات الغرب بشتى تقاسيمها وتفرعاتها.
ويبدو من المعطيات الكثيرة المتوفرة والتجارب الصارخة التي بدأت تظهر معالمها شيئا فشيئا، أن الغرب «الديمقراطي» الذي سمح في السابق ومن خلال أخطائه المتكررة بنشوء وترعرع ظاهرة اللاسامية وتطبيقها في أشنع صورها من خلال الإبادة الجماعية لليهود أولا وعمليات التطهير العرقي ثانيا، يسير حاليا على نفس الطريق الوعرة التي أدّت في نهاية المطاف إلى تجارب ما زلنا نعاني من وطأتها حتى يومنا هذا.
فهل المقصود من هذا الضغط الموجه حاليا ضد العرب والمسلمين أن تتكرر المأساة التاريخية المتمثلة بما يعرف بالمحرقة، أم أن خيالنا قد تمادى كثيرا في تقييم خطورة ما يجري؟
أعترف بداية بأن ما استفزني للكتابة حول هذا الموضوع هو بعض من يصفون أنفسهم بالمحافظين الجدد في أوروبا، المفتخرين بتبعيّتهم للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، والذين اخترعوا بدورهم بعض المصطلحات الجديدة الفريدة من نوعها التي تعكس للأسف حقدا واحتقارا لكل ما هو عربي ومسلم، وربما حتى لكل هؤلاء العرب الذين يعتقدون في قرارة أنفسهم أنهم باتوا جزءا من تلك القيم الأميركية المحافظة.
إن أبرز ما بدأ يصرّح به هؤلاء بكل وقاحة، هو أن «وباء الإسلاميسموفيليا» قد سيطر في الآونة الأخيرة على البيئة الليبرالية، قاصدين منها بالطبع المفهوم الأميركي لا الكلاسيكي لهذه الليبرالية، والتي باتت حسب رأيهم (ليبرالية يسارية) وجب مواجهتها بكل حزم.
وحسب رأي هؤلاء فإن «الوباء» المذكور قد تفشى في الآونة الأخيرة من خلال ظاهرة التقرب التي تبديها بعض المؤسسات والمنتديات الفكرية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا (اليسارية طبعا حسب رأيهم) حيال مفكرين وسياسيين عرب ومسلمين للمشاركة في منتديات فكرية مختلفة.
فيستغربون على سبيل المثال السماح للرئيس الإيراني بإلقاء محاضرة في جامعات أميركية مرموقة، أو توجيه دعوة للأمير السعودي تركي الفيصل للمشاركة في منتدى 2000 الفكري في براغ، باعتبار أن الفكر الذي تحمله وتدافع عنه شخصيات مثل هذه ـ بغض النظر عن التفاوت الواضح لانتمائها الأيديولوجي ـ يمثل نقيض الفكر الديمقراطي الغربي، وبالتالي لا يوجد منطق لإقامة أي شكل من أشكال الحوار معها.
ويصر أتباع هذا التيار الصدامي بأن صراع الحضارات الذي نادى به صموئيل هنتنغتون هو واقع قائم تعكسه حالة التوتر المتنامية بين الشرق والغرب، أو بعبارة أدق بين الشرق الإسلامي والغرب.
لا حاجة بالتالي لكل هذه المنتديات الفكرية التي تحاول تسويق مفهوم حوار الحضارات، لأنها مضيعة للوقت واحتقار لذكاء المحافظين، الأوروبيين والأميركيين معا، الذين عادوا ليكشّروا عن أنيابهم مرة أخرى ويقنعونا بمنطق قوّتهم وجبروتهم. الغرب هو معقل الديمقراطية، أما الشرق ، الإسلامي تحديدا، فهو منبع الكراهية والحقد والتطرف.
هذه هي المعادلة التي يحاول هؤلاء منذ فترة طويلة تسويقها بقوة السلاح والأيديولوجيا والإعلام والإمكانيات الهائلة، وعلى هذا الأساس يجب تربية الأجيال الصاعدة.
لم أكن موجودا في المحاضرة التي ألقاها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في جامعة كولومبيا وبالتالي لن أعلق عليها كثيرا، لكنني كنتُ مشاركا في المنتدى الفكري ببراغ وتابعت باهتمام كبير كافة فعالياته، خصوصا ما ارتبط منها بحوار الأديان والحضارات، والمسؤولية التي تترتب على العالم (الديمقراطي وغيره) حيال مسألة جسر الهوة القائمة بين الأديان السماوية من جهة، وبين الحضارات المختلفة والأديان من جهة أخرى.
وما أستغربه في المنطق الذي يستخدمه بعض المحافظين الجدد في أوروبا هو تجرؤهم على إطلاق وصف اليسارية على منتدى فكري يظلّله الرئيس السابق والأديب فاتسلاف هافل، أحد أبرز رموز الشخصيات المناهضة للأنظمة الشيوعية والشمولية القمعية، بالإضافة لشخصيات فكرية مختلفة الانتماء والتوجه أغلبها محسوب لصالح تيارات فكرية وسياسية يمينية لا يسارية.
الكلام الذي صدر عن بعض الشخصيات الإسلامية المتمثّلة في هذا المنتدى وأبرزها ما صدر عن الأمير السعودي تركي الفيصل، حاول في إطاره العام تقديم شرح شامل عن الطابع المسالم والسمح للدين الإسلامي وما يتمتع به من قيم قادرة على تحقيق التواصل مع الحضارات الأخرى.
وفنّد هؤلاء النظريات التي تتهم الدين الإسلامي بالتطرف منطلقين من بعض الآيات القرآنية التي تنبذ العنف وتدعو للتسامح والغفران واحترام الآخر إلى أقصى الحدود.
والأبرز من ذلك هو تأكيدهم على ضرورة فتح قنوات الاتصال والتواصل بين الحضارات والأديان من أجل التفاهم على قواسم مشتركة تجعل من هذا العالم مكانا آمنا وأكثر ديمقراطية إن صح التعبير، وهو ما شكّل رسالة واضحة تؤكد وجود الكثير من المفكرين العرب والمسلمين ممّن يريدون حقا الحوار والتواصل مع الغرب بكافة تياراته الديمقراطية والدينية انطلاقا من مبدأ الاحترام المتبادل.
هل يوجد في هذا الكلام ما يدعو للاستغراب أو ينذر بعواقب انتشار «وباء الإسلاميسموفيليا» الذي يبشر به مفكّرو التيارات المحافظة الجديدة في أوروبا؟
يبدو بأن الخطر الذي يستشعره هؤلاء يكمن في موقع آخر يقفز فوق إطار منطق كراهيتهم وحقدهم حيال الدين الإسلامي والعرب ككل، ويعيدنا بطبيعة الحال إلى نقطة البداية أو أصل المشكلة التي تثير منذ أعوام كل هذا الجدل والصراع والقتل والدمار.
ولعل أفضل من وضع يده على الجرح خلال منتدى 2000 لتوضيح أصل المشكلة هو كيشوري محبوباني الأكاديمي السنغافوري الذي أشار بأن العالم يحتاج إلى تلك «الرصاصة الفضية» التي بإطلاقها يمكن للعالم أن يجد تسوية لجميع المشاكل الحضارية التي يعاني منها في الوقت الحاضر.
أصل المشكلة إذا، حسب رأي محبوباني وغيره من المفكرين، يكمن في إيجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني التي باتت ـ شئنا أم أبينا ـ الرمز الخلافي الأقوى في الصراع القائم بين الشعوب الإسلامية وممثليها من جهة وبين مؤيدي السياسة الإسرائيلية في «الضفة الأخرى من العالم» من جهة أخرى. فهل سيتحلّى مفكرو الغرب بالشجاعة الكافية لمواجهة هذه المعضلة ويطرحونها كمنطلق لأي حوار جدي قد ينشأ في المستقبل؟
كاتب لبناني