لم تتعلم كل الحكومات التي تتالت على إدارة دولة أتاتورك القومية، والتي تشبعت منذ نشوئها بالنزعة القومية والنعرة الشوفينية، وبقدر ما حاولت التنصل من الثقافة العربية والإرث الإسلامي، باتجاه العلمنة والأوربة، تخلصا من الإرث العثماني والتقاليد الشرقية القديمة، لإمبراطورية مقهورة ومريضة تم تقاسم ممتلكاتها، دون أن تفعل شيئا.

ولولا القدر اللعين وأهمية الجغرافيا لكانت تركيا حالها من حال البلقان، فقد كانت سهلة التقسيم في فترة الحرب العالمية الأولى، ولكن الدول الكبرى المتصارعة على النفوذ في الشرق الأوسط - القديم - كانت بحاجة إلى جسد جغرافي قوي يحميها من التداخل المؤثر على مصالحها.

فهي من الجانب الغربي الجنوبي كانت معزولة باسبانيا الأوروبية، والتي تخلصت لوقت طويل من ثقافة عربية وإسلامية، فكان مضيق جبل طارق والماء هو الفاصل بين قارتين هما إفريقيا وأوروبا، بينما كانت تركيا الحديثة والعلمانية العازل الأكبر والاهم ما بين آسيا المتوحشة والمتخلفة وأوروبا المتوترة بالثورات ولكنها ظلت بثقافة أوروبية تتجه نحو حداثة القرن العشرين.

ومع ذلك كانت تركيا من جوانب معينة تشكل حاجزا بين جغرافية قديمة للإمبراطورية القيصرية وإمبراطورية جديدة قادمة اندلعت من رحم الثورة البلشفية، وكانت رياح تلك الثورة حينها، تنتشر بقوة داخل آسيا الوسطى وتشكل خطرا كبيرا على الحدود التركية. وإذا ما سقطت تركيا العثمانية في قبضة البلاشفة، فان العبور نحو الشرق العربي وما حوله كإيران يصبح لقمة سائغة، لهذا كان أتاتورك مشروعا أوروبيا قبل أن يكون مشروعا تركيا، مسموحا بتركه كيانا قائما بذاته.

لهذا صمت الأوروبيون ردحا من الزمن حول قضايا داخلية كثيرة في الدولة الكمالية، فقد كان مشرط التخطيط للخارطة العالمية يوم ذاك يسعى لتقسيم العالم وفق أجندة أوروبية، حيث كانت الولايات المتحدة عنصر دعم عسكري ومادي لأوروبا الديمقراطية والليبرالية الموحدة - رغم اختلافها - في وجه الإخطبوط البلشفي الجديد - والذي تحول خلال سنوات قليلة إلى دولة واسعة الأركان والقوة، بعد تأسيس الاتحاد السوفيتي. في هذه الحقبة التاريخية كانت دولة أتاتورك العلمانية والمرتبطة بمشروع أوربي، لم تنجزه بالكامل.

خاصة في جانبه الثقافي والسياسي، فالى جانب تحديث التعليم والدولة الفتية تم إبعاد أهم مرتكزات الليبرالية الغربية وهو القبول بحق الاثنيات في التعايش في إطار الأنظمة الديمقراطية، مثلما كانت في الضفة الأخرى تمنح مراسيم لينين والحكومات اللاحقة حقوق الحكم الذاتي لبعض القوميات أو كما سماها لينين حق الانفصال أو الانضمام للدولة السوفييتية، والتي لم يواصل ستالين نهجها الحر، فقام بأعمال تعسفية قهرية حينما حاول نقل قوميات واثنيات قوقازية بالقوة بهدف الإدماج والتذويب، عندما وجدها تقاوم المشروع السوفييتي.

حيث لعبت الدول الكبرى والأنظمة المجاورة والخارجية دورا كبيرا في تغذية كل حركات التمرد الدينية والقومية وبقايا البيض والمناشفة.

بين تجربة لينين القصيرة في المسألة القومية القائمة على حرية الاختيار في الانضمام أو الانفصال لشعوب الشرق، جاءت خطوات ستالين القهرية للدمج كواحدة من أكبر الإجراءات الخاطئة في تاريخ الحقبة السوفييتية، فماذا كان على القوى الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى أن تفعل مع دولة/ وإمبراطورية مهزومة، كانت تعتبر نفسها الوارث الشرعي والديني لدولة الخلافة؟

هل تمارس التقسيم حيالها بالقوة نفسها كالذي مارسته على دول أخرى في العالم؟ كيف تتعامل مع قضايا وقوميات ظلت بمشاريعها السياسية كالمسألة الأرمنية والكردية؟، وكلاهما بحاجة لمعالجة أعمق باعتبارهما قريبتين للحدود والجغرافيا العربية والإيرانية، وترتبط بقوة بثقافتهما الإسلامية والعربية والفارسية.

كان أمام فرنسا وبريطانيا المنتصرتين في المنطقة أن تجلسا وتضعا قلمهما للترسيم وتتفاوضا على الحدود ومناطق النفوذ، دون أن تنسيا أن هناك بعبعا جديدا بالجوار اسمه الثورة البلشفية، والتي بولادتها بات العالم منقسما إلى عالمين جديدين، الرأسمالية التاريخية والاشتراكية الفتية.

مع أهمية النظر إلى أن الولايات المتحدة الأميركية كانت عينها على منطقة الشرق الأوسط الثري بالنفط والطاقة، حتى وان كانت يومها مشغولة بالهند الصينية والباسفيك وأميركا اللاتينية، ومعنية بالدرجة الأولى في الدفاع عن ترسانة حدود أوروبا المقسمة سياسيا وإيديولوجيا حينذاك إلى نظامين عالميين، وستزداد الرقعة الجغرافية تقسيما بعد الحرب العالمية الثانية.

في حقبة الحرب العالمية الأولى وما تلاها نشبت صراعات وولدت مطالب وأحلام، كان من ضمنها صراع الأرمن وحقوقهم في الدولة العثمانية، والتي وجدت نفسها أمام حقوق مدنية واثنية هامة كان بالإمكان أن تؤدي إلى اقتطاع أجزاء من جسد الدولة الكمالية أو إعطاء الأرمن حقوقا واسعة في دولة تدعّي العلمانية والاوروبة!

ولكنها في الوقت ذاته كانت تنزع نحو التفكير القومي الشوفيني والنعرات العرقية، فكان من نتائجها التصفيات الجسدية للأرمن والتي بلغت أكثر من مليون إنسان، حيث تجد الولايات المتحدة اليوم نفسها معنية بالدفاع عنها، بعد أن صمتت لعقود طويلة عنها بسبب أهمية تركيا كخط دفاع أول في مواجهة الشيوعية.

بينما كانت رغبة الولايات المتحدة إزاء الأكراد، تميل إلى منحهم حقوقا ذاتية واسعة في الإطار الجغرافي الذي يتمحورون حوله، في منطقة إستراتيجية ومهمة، ولكن الضغط الفرنسي والانجليزي يومها استطاع إرجاء المطالب الأميركية، بعد أن وجدوا أن فتح باب الحقوق والحكم الذاتي سيضع الأنظمة الحليفة والصديقة في المنطقة في وضع حرج.

خاصة وان إيران وتركيا يومها شكلتا البوابة الحيوية للدبابات السوفيتية، ويكفي أن هناك عند الجوار دولة ارمني قريبة من تركيا ودولة أذربيجان أكثر قربا من إمبراطورية الشاه، بينما تناثر الأكراد كقومية مقهورة بين أربعة بلدان تتماس جغرافيا إلى حد ما، وكان الاعتراف بقيام دولة كردية موالية للولايات المتحدة يومذاك، تشكل حالة استثنائية بين مناطق نفوذ تاريخية تقاسمتها بريطانيا وفرنسا.

ومع التبدلات السريعة والدراماتيكية خلال العقدين الأخيرين، أهمها ثلاثة عوامل سقوط الاتحاد السوفييتي وسقوط نظام صدام حسين وقيام الاتحاد الأوروبي، كل هذه العوامل تلعب حاليا دورا ديناميكيا في تغيير لعبة إعادة رسم السياسات الإستراتيجية للجميع، في ظروف واضحة المعالم أهمها مسألة التعامل مع النظام الإيراني والعراقي وتشكيلهما مستقبلا والوضع التركي وعلاقته بمسألة التحالف التاريخي مع قطبين صديقين متناقضين هما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

إذ تقع في أولويات هذين القطبين مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية، ومسألة الحرية والأمن الأوروبي والعالمي وفق أجندة المجتمع العالمي الموحد أمام قضية واحدة هي مكافحة الإرهاب والاستقرار الدولي في ظل نظام عالمي غير متوازن ومستقر تسوده الفوضى.

فهل يوسع الجيش التركي دائرة الجحيم والفوضى أم يكتشف بسرعة أن مشكلة الأكراد ليست وحدها معزولة عن حزب العمال الكردستاني المتمركز داخل الحدود العراقية؟ حتى وان صار للأكراد نوابا في البرلمان، فهناك قضايا شائكة لم تحل ينتظرها الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة ولن تكون الدبابات والقوة خيارا تاريخيا صائبا.

كاتب بحريني