«السياسيون الأميركيون غير أكفاء وفاسدون». قول صريح وجريء وصحيح. لكنه يأتي من جنرال أميركي ينطبق عليه القول نفسه مثلما ينطبق على رفاقه الجنرالات الآخرين الذين يديرون ـ بالمشاركة مع السياسيين ـ الحرب الأميركية في العراق.

الجنرال ريكاردو سانشيز كان أول قائد للقوات الأميركية في العراق التي وصفها في تصريحات إعلامية هذا الأسبوع بأنها «كابوس لا نهاية له» والآن وبعد أكثر من أربعة أعوام ونصف العام من الفشل المتصل يلقي الجنرال سانشيز بالتبعة كلها على السياسيين وحدهم، وكأن الجنرالات البيروقراطيين في واشنطن أو الجنرالات الميدانيين على الأرض العراقية لا يتحملون أدنى مسؤولية.

أجل.. جورج بوش ومن حوله من أركان إدارته غير أكفاء وفاسدون كما يقول الجنرال، لكنهم كانوا يشكلون مع جنرالات البنتاغون فريقاً موحداً في رسم خطة الغزو والتحضير العملي لتنفيذها.

وفي سياق التعاون بين السياسيين والعسكريين أشرف الجنرال سانشيز نفسه على عمليات تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب بموجب ضوء أخضر من وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد. ومع ذلك فإن الجنرال يقول الآن: إن السياسيين كانوا سيحالون إلى محكمة عسكرية لو كانوا يخدمون في صفوف القوات المسلحة.

مع دخول حرب العراق عامها الخامس يتوالى انكشاف الفضائح الأميركية على خلفية مسلسل الهزائم التي تمنى بها قوات الاحتلال، وفي مثل هذا الظرف ينحصر تفكير كل مسؤول في كيفية التنصل من مسؤوليته بإلقاء التبعة على غيره.

لقد نفذت خطة الغزو الأميركية بناء على كذبة كبيرة هي أن العراق يملك أسلحة دمار شامل. وبعد أن انكشفت هذه الكذبة أخذ أركان البيت الأبيض يتهمون مدير وكالة الاستخبارات المركزية ومساعديه بأنهم ضللوا الإدارة.

وبدوره رد مدير الاستخبارات بأن رجال الإدارة قاموا بتحريف ما قدم إليهم من «حقائق» من أجل تبرير قرار لغزو غير شرعي.

ومؤخراً تفجرت فضيحة «بلاك ووتر» وأخواتها: الشركة الأمنية الأميركية التي تتعامل في «سلعة» الحرب لتحقيق أرباح خرافية. ورويداً تتكشف ظاهرة الشركات الأمنية وجيوش المرتزقة التابعة لها عن صفقات ربحية طرفها الآخر طاقم جنرالات البنتاغون.. فهم الذين يرتبون تعاقدات البنتاغون مع هذه الشركات لتقوم جيوشها بعمليات قتالية وأمنية في العراق نظير مبالغ خرافية تتقاسمها مع الجنرالات.

أجل.. السياسيون الأميركيون ينبغي أن يخضعوا لاستجواب تمهيداً لإجراء محاكمات كما يتمنى الجنرال سانشيز فهم حقاً فاسدون، ولكن ماذا عن فساد العسكريين الذين يتخذون من إشعال الحروب وسيلة للإثراء غير المشروع، من أموال الخزانة الأمنية، بل يشمل أيضاً شركات إنتاج الأسلحة التي تتعاقد أيضاً مع وزارة الدفاع.

لقد انتقد الجنرال ريكاردو سانشيز الاستراتيجية التي تتبعها إدارة بوش في العراق حالياً قائلاً: إنها لن تقود أميركا إلى النصر، وبالتالي فإن «أقصى ما يمكن أن نقوم به هو تجنب الهزيمة».

لكن المقدمة في هذا القول لا تتفق مع النتيجة، فالجنرال سانشيز يعارض الانسحاب الأميركي من العراق. ولن نفهم هذا التناقض إلا إذا استدعينا إلى أذهاننا أن الانسحاب سيضع نهاية لعملية الاتجار بالحرب التي تمارسها الشركات الأمنية وشركات السلاح بالتواطؤ مع جنرالات البنتاغون ـ رفاق الجنرال سانشيز.