الشعب الكردي مازال يعاني من وقوعه بين ثلاث قوى إقليمية، خاض معها الحروب بأشكال مختلفة، واتجه مع رياح الشرق إلى اليسار بأمل وجود المنقذ، وانحرف مع الشمال الأوروبي لذات الغايات، وفي كل الأزمنة وقع ضحية هذه المواقف الصعبة.
في رحلة العذاب العراقي وتمزقه إلى ثلاث دويلات، أو كيانات لا يُعرف كيف يتم الربط بينها، بالفيدرالية، أو الكونفدرالية، جاء الإقليم الكردي أكثر استقراراً بالنسبة لما يجري في الوسط والجنوب، وهذه النشوة التي شجعها الأميركيون، وباركتها دول أخرى حركت كلاً من تركيا وإيران للنظر بهذا التطور.
وبأنه يهدد وحدتهما ويثير مخاوف تمدد الدولة الكردية الكبرى على حدودهما، ومن سوء حظ الأكراد أن المتمردين الذين يناصبون تركيا العداء منذ أزمنة بعيدة، هم من حرّكوا سكون الدولة المجاورة الكبرى عندما قتلوا عدة جنود، وعادوا إلى الجبال الوعرة بكردستان العراق..
الدول العظمى لا تستطيع حماية دولة مقتطعة من كيان مركزي كبير، وقد سقطت دولة ( بيافرا) لمن يتذكر عندما حاولت الاستقلال عن نيجيريا، وحسم أمر هونغ كونغ بالتراضي، وحتى حالات الانفصال التي حدثت في القارة الهندية عندما استقلت باكستان، وتطور الأمر لانفصال بنغلاديش عنها.
أن هذه الكيانات تشكل دولاً بحجمها السكاني والجغرافي، ولعل كردستان العراق لا تستطيع أن تحصل على نفس الفرص، حتى لو أقامت أميركا ودول أخرى جسور التعاون مع الأكراد بما في ذلك توقيع اتفاقات خارج دولة المركز في بغداد، لأن من يشعرون بالخوف قوى كبيرة لا تستطيع التلاعب بوحدتها الإقليمية التي تشكل عدة قوميات وأثنيات ومذاهب.
وبالتالي فمصير الشمال العراقي مرتبط بالكيان الملتحم معه، وحتى لو حصلت تطورات تغري الجنوب بالالتصاق، بإيران، والشمال بدولة ما، فإن النواتج التي ستحدث ستجعل الجميع في خطر، سواء نتيجة الاضطرابات الداخلية، أو المواجهات مع دول الجوار التي تفكر بعكس ما يأمله الأكراد، أو حتى شيعة الجنوب العراقي..
ما أشعل النار بين تركيا وكردستان ليس فقط قتل مجموعة الجنود والذي هو عادة تعارف عليها كلا الطرفين وتعوّدها، وإنما الحديث الذي نتج عنه قرارُ الاعتراف بمجزرة الأرمن من قبل الكونغرس الأميركي، وكرد فعل على الحليف الأميركي الذي يرى في تركيا أهم إقليم في استراتيجياته البعيدة، أن وجد الحليف أن تركيا ترفض تلك الاتهامات أو تحريكها، وما يترتب عليها من تعويضات وإدانات.
وهنا جاء الهجوم على شمال العراق مبرراً بالحادثة، والموقف الأميركي وهو ما أعاد الأسئلة والتحريات من تحويل تركيا إلى خصم، أو بلد محايد لا يتحرك بالكيفية الأميركية مع خصومه والمصالح التي تسيرها هذه الشراكة..
مشكلة أكراد العراق أنهم، في معظم ما تعرضوا له من ظروف صعبة، يتحركون بعواطفهم، وهذا لا ينفع مع الخطط المقابلة للحصول على الاستقلال وبالتالي إذا كان هناك من تجاوز لمحنهم، فإن أقرب الحلول هو الالتصاق بالعراق دون غيره
