غالبية الأفراد عندما يسافرون في رحلة عمل ينشغل الجميع بحضور الاجتماعات، وإعداد أوراق العمل لمناقشتها وإبداء الرأي فيها. في ساعات محددة ووفق نظام معين ينطلق كل واحد ليؤدي الدور المناط به، ويشعر حينها انه مسؤول مسؤولية كاملة فلا يبقى في العقل ولا في القلب مكان إلا لهذه المسؤوليات.
يلتقي أناسا من مختلف الجنسيات، يتعرف على شعوب يتشاطر معهم الهموم والقضايا نفسها التي تشغل باله وتؤرقه، ترتفع حدة النقاشات أحيانا وتنخفض نبرتها أحيانا أخرى. تبدو لنا الهموم واحدة بشكل عام وان اختلفت في بعض التفاصيل.
وبعد يوم طويل قتلت معظم ساعاته في اجتماعات العمل، يتبقى وقت للراحة ولتجاذب أطراف الحديث خارج إطار العمل، ولكن المفاجأة التي لا نتوقعها هي أننا نجد أنفسنا من جديد نناقش قضايانا الوطنية وهموم شعبنا على طاولة مقهى نحتسي فيه قهوتنا تلك التي لا تفتر ونحن نحتسيها هربا من نسمات هواء باردة لاسعة لنتبعها بكوب قهوة آخر، لاسيما وأنت تستمتع بالحديث إلى رفقة السفر وآخرين مغتربين ومهاجرين ترهقهم الغربة التي لا يجدون بديلا عنها.
تركنا تلك المدينة الأشهر أوروبيا ورحلنا عنها، ومازلنا نشتم عبق مقاهيها، شوارعها وطرقاتها وهي تحمل الكثير من الذكريات التي التصقت بعقولنا وقلوبنا. نتساءل: هل هذه المدينة جميلة بطبيعتها ونظامها وعراقتها وتعدد الثقافات فيها، أم بالناس الذين التقيناهم فيها والأحداث التي مررنا بها؟ هل ستكون جنيف في وقت آخر هي نفسها التي زرناها في هذا الوقت، أم أنها ستبدو مختلفة بتغير من رافقنا إليها وبتغير الأحداث فيها؟
إن المدن في وجهة نظري تبقى مدنا لا شيء يتغير فيها على الإطلاق، فبقدر ما يجدها بعضنا مملة، يجدها بعضنا الآخر نموذجا للمتعة والتسلية، يحدد ذلك كله أناس يصنعون للمكان تميزا بأحداث نعيشها معهم، وذكريات تختزلها الذاكرة بفضلهم. فالجنة كما يقال بلا أناس لا يمكن أن تطأها قدم أو تهنأ بها نفس. الناس وحدهم هم الذين يؤنسون عليك أوقاتك ويجعلون وقت العمل أجمل وأعظم فائدة من خلال التحاور وتجاذب أطراف الحديث معهم.
أولئك وحدهم هم من يجعلون لليالي سمة مختلفة بعيدا عن الرتابة والملل، وهم وحدهم من يهونون عليك عناء رحلة عمل متعبة لا تتيح لك الكثير من الوقت لتستريح فيها من همومك ومسؤولياتك. تعاونهم وحرصهم عليك وخوفهم على وقتك ومصالحك ومد يد العون لك كلما وجدت نفسك في ضائقة أو مأزق هو ما يجعلك تفكر في متعة السفر للعمل.
لو زرنا تلك الأماكن دون تلك الوجوه التي ألفناها والتي تكترث لنا لكانت الرحلة متعبة، ولعدنا بهموم ستصبح دفاترها في قلوبنا وعقولنا دون أن تكتفي بوضعها في أوراق عمل على طاولات مستديرة.
كل كتابات الفلاسفة والشعراء والنقاد حول المدن لا نظن أنها وجدت مجردة من أناس عصفوا الأذهان وسخروا الأقلام لتكتب عنها، بل إننا نشك في أن واحدا منهم خلا من ذكريات عاشها مع أناس كانوا سببا في مداد جرى على الورق وأصبح ذا قيمة يعتد بها.
من الإمارات الحبيبة التي وصلنا إليها سالمين إلى جنيف ومدن حولها تركنا فيها ذكريات فرح نقول إن جمالكم ذلك الذي استطبناه وذهلنا به، سواء كان من صنع الطبيعة أو من صنع شعوب تفانت فيها لا يكتمل إلا بأناس جمعتنا الأقدار معهم في أراضيكم، فصنعنا وإياهم أحداثا تبقى في حيز ذاكرة الفرح التي لا يمكن ان نغفلها أو نغيبها يوما.
وصدق من قال بان روعة المكان وجماله مرهون بجمال أناس يزيدون المكان تألقا، فاحرصوا أعزائي القراء في كل رحلة تقومون بها وان كانت رحلة عمل على أن تلتقوا بمن يصنع لهم بهجة الأيام وأروع الذكريات في أماكن ربما تفقد جمالها ويصبح أقل قيمة بفقدان أرواح جميلة تسكن وتقيم فيها.
