الوضع الذي آلت إليه القضية الفلسطينية لم يعد يحتمل أي نوع من المجاملات أو الملاطفات أو اللف أو الدوران، والمقام لم يعد يتسع إلا لتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية أمام مجموعة لا يستهان بها من الأخطار التي تتماهى مع سلسلة النكبات الكبرى التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في تاريخه المعاصر من نوع نكبة 48 أو نكسة 67، أو سلسلة النكبات الكبرى التي تعرضت لها الشعوب العربية خلال العقود القليلة الماضية على غرار نكبة الشعب العراقي الحالية.
فالانزياحات والإزاحات الجغرافية والديمغرافية والسيكولوجية والجيوسياسية في منطقة ما يسمى الشرق الأوسط متواصلة بلا هوادة ضاربة بعرض الحائط المكونات البنيوية لشعوب المنطقة عموما وللشعب الفلسطيني على وجه الخصوص بغية توفير المكونات البنيوية اللازمة لاستكمال عناصر المشروع الصهيوني في المنطقة وبناء دولته العبرية العتيدة.
عشية الاجتماع الدولي المرتقب الذي دعا إليه الرئيس الأميركي جورج بوش لتسوية النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي وبعد غياب طويل لا يبرره إلا الموقف الإسرائيلي غير الجاد حيال أي مشروع تسوية في المنطقة، يعود الحديث بقوة عن خارطة الطريق، التي هي من صنع أميركي أيضا.
والتي بات معروفا للقاصي والداني أنها لا تصب إلا في خانة المتطلبات الأمنية الخاصة بالكيان الصهيوني في حين يتم فيها تنحية حتى الحدود الدنيا من حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة والمتمثلة في حق تقرير المصير وحق إقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس وحق عودة اللاجئين، علما بأن هذه الحقوق جاءت واستوت على هذا النحو بعد سلسلة من التنازلات الجوهرية من الجانب الفلسطيني، الذي يبدو مضطرا، ضمن موازين القوى القائمة في المنطقة.
وفي ظل هيمنة المشروع الصهيو- أميركي والسعي إلى تقديم مزيد من تلك التنازلات التي تفقد القضية الفلسطينية قوامها الحقيقي وتجعل منها مجرد ملحق أمني في أجندة المشروع الصهيوني.
خارطة الطريق تعني أمرا واحدا وهو تمكين الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية المنحرفة من إحكام السيطرة على السلوك والحلم الفلسطينيين أولا وقبل أي شيء آخر إفساحا في المجال أمام فرض إجراءات وتدابير ذات طابع أمني بالدرجة الأساسية في إطار تسوية مجحفة بحق الشعب الفلسطيني هي أبعد ما تكون عن كونها تسوية سياسية، لكنها تتضمن في المقابل كل ما هو ضروري لتأمين أمن الدولة العبرية بما في ذلك فرض مشروع القدس الكبرى الذي لم يعد ينقصه سوى وضع اللمسات الأخيرة على أرض الواقع.
والذي يغطي ما مجموعه 26% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية وقطاع غزة مجتمعين، فضلا عن العديد من عمليات تبادل الأراضي هنا وهناك التي تهدف في الظاهر إلى تأمين مواصلة بناء جدار الفصل العنصري وفي الجوهر إلى وضع اليد على الأراضي الفلسطينية التي تحضن في جوفها المحزونات الإستراتيجية من المياه الجوفية في المنطقة.
المفارقة الكبرى في سياق وابل مشاريع تسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي المتواصل من نحو ستة عقود من الزمن تكمن في واقع أنه على الرغم من أن أياً من تلك المشاريع التسويوية لم ير النور حتى الآن، إلا أن جميع مضامينها التي تعكس بجدارة مصالح الدولة العبرية قد باتت تشكل جزءا من مفردات الواقع المعاش على الأرض، ذلك الواقع الذي يشير إلى أن تلك المضامين لا يمكن أن ترى النور بعيدا عن ضرب حقوق الشعب الفلسطينية المشروعة.
وها هي السلطة الفلسطينية المنقوصة تنساق وراء دق المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية سالكة في سبيل ذلك ثلاثة مسارات تعكس بدورها ثلاثة أبعاد تعبر في واقع الأمر عن الحقوق الوطنية الأساسية الثلاثة للشعب الفلسطيني، التي تفقد كل معنى لها في ظل بقاء سيطرة الاحتلال على المقومات الاستراتيجية السيادية للدولة والمعبر عنها من خلال السيطرة على الجو والأرض بما عليها وبما في باطنها.
وفي ظل استبعاد أي إمكانية لمجرد الحديث عن عودة ستة أو سبعة ملايين لاجئ فلسطيني مشتتين في بقاع الأرض كافة، وفي ظل سياسة الأمر الواقع التي لم يتوقف الكيان عن ممارستها ولو واحدة منذ تأسيسه.
لا أحد عاقلا يعول على الاجتماع الأميركي المرتقب في نوفمبر المقبل، لكن هذه الخطوة تنطوي على غرار مثيلاتها السابقات على خطر جلي باتجاه فرض المزيد من التنازلات على المتنفذين في الجانب الفلسطيني- العربي على حساب الحقوق التاريخية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، الذي إن استمرت حالة التفكك الراهنة والاضراب الداخلي بين مكوناته، فلا شك أن هذا الشعب سيدخل التاريخ مجددا، لكن هذه المرة من بوابة الشعوب الأصلية التي باتت تشكل جزءا من ماض غابر، والتي اجتمع قادة ألف منها منذ أيام معدودة في العاصمة البوليفية لاباز لاستهلال حملة عالمية للمطالبة بحقوقهم التاريخية وفي مقدمتها استعادة السيطرة على أراضيهم.