أي تحرك تتبناه «الحركة» الجنوبية بغرض تأليب قوى داخلية أو خارجية ضد شريكها «المؤتمر الوطني»، سينتهي تلقائياً عند نهاية المطاف إلى نسف الأسس والركائز التي قام عليها اتفاق نيفاشا.. وبالتالي انهيار الاتفاق.. وبالتالي خسران الحركة ما حصلت عليه من مكاسب تجاوزت أحلام قيادتها.
بالطبع سيخسر الشريك الآخر أيضاً ما حققه من مكاسب لا تتوازى مع وزنه السياسي كحزب أقلية، لكن ماذا تفيد الحركة من تطبيق مبدأ «عليّ وعلى أعدائي» علما بأنه مبدأ انتحاري؟
من أجل استقطاب تأييد قيادات أحزاب المعارضة الشمالية لعزل حزب المؤتمر، تبنت الحركة الآن مطالبهم المتمثلة في التحول الديمقراطي وإعادة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لكن هل نسي قادة الحركة أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه ينبغي ان تكون تعديل النسب المئوية لقسمة السلطة كما هو منصوص عليها في اتفاق نيفاشا؟
الحركة ومعها المؤتمر الوطني وحدهما يستأثران بنسبة 80 في المئة من التشكيلة الوزارية المركزية وعضوية البرلمان القومي، أما نسبة العشرين في المئة المتبقية فليست كلها على ضآلتها نصيب حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي، نصيبها مجتمعة هو فقط 14 في المئة، فالستة في المئة الأخرى هي النصيب المقرر لأحزاب المعارضة الجنوبية.
التحول الديمقراطي الكامل وتوسيع الحكومة المركزية يتطلب إذن بالضرورة الحتمية ان تتنازل الحركة، وأيضاً «المؤتمر الوطني» عن شيء من نصيبهما في قسمة السلطة.
فهل تقبل الحركة طوعاً التضحية بشيء من هذا المكسب «نصيبها وحدها 28 في المئة» من أجل استرضاء قادة المعارضة الشمالية؟
هذه مناورة انتهازية تعيد إلى أذهاننا صورة الماضي القريب، فبعد أن استقوت الحركة بدعم الأحزاب الشمالية من خلال «التجمع الوطني الديمقراطي» المعارض فإنها عمدت إلى إقصاء قادة هذه الأحزاب عن العملية التفاوضية التي أدت إلى اتفاق نيفاشا بين الحركة والمؤتمر الوطني.
بنفس هذه الروح الانتهازية تريد الحركة الآن في سياق صراعها السلطوي مع المؤتمر الوطني إحياء «التجمع» على نحو أو آخر. لكن الأمر سيكون مختلفاً هذه المرة لأن قادة الأحزاب الشمالية سيطلبون ثمناً لا تستطيع الحركة الوفاء به دون تقليص نصيبها السلطوي.
غير ان الأمر لن ينتهي عند هذا الحد. فقد ظلت المعارضة تطالب بإلحاح لا يفتر ـ خاصة الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي ـ بإعادة التفاوض على بروتوكولات وبنود اتفاق نيفاشا لتعديل بنود أساسية وإلغاء بنود أخرى، ولهذه الغاية ظلت المعارضة تطالب بعقد مؤتمر دستوري جامع تشارك فيه كافة القوى السياسية الشمالية والجنوبية من أجل وضع اتفاق جديد على أساس قومي شامل.
فهل تقبل «الحركة» هذه المطالبات؟ بكلمات أخرى هل تقبل مسايرة المعارضة على درب ينتهي إلى إعدام اتفاق نيفاشا؟
هذه المطالبات ستبرز على نحو أقوى اذا نفذت الحركة تهديدها برفع شكوى إلى القوى الاقليمية والدولية التي رعت مفاوضات اتفاق نيفاشا ـ دول الايجاد ومجموعة «أصدقاء الايجاد». فالقيادات المعارضة سترى في هذا التطور سانحة لمطالبة هذه القوى بالموافقة على عقد المؤتمر الدستوري الجامع كمخرج أوحد لحل الأزمة السودانية، على اعتبار فشل اتفاق نيفاشا الثنائي.
صفوة القول أن «الحركة» الجنوبية، بتصعيدها أزمة الصراع بينها وبين «المؤتمر» ربما تكون قد حشرت نفسها في ورطة.