من المؤسف أن نثبت بداية أن الانشطار الجيوسياسي الفلسطيني بين غزة والضفة فتح شهية أقطاب الدولة الصهيونية على المزيد من الانشقاقات والمزيد من الاقتتال بين الفلسطينيين، فحينما يعلن أولمرت في كلمته الافتتاحية لدورة الكنيست الشتوية «إن إسرائيل لن تقوم بأية انسحابات من الضفة الغربية قبل القضاء على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة/ عن الصحف العبرية ووكالات /8/10/2007».
وحينما يضيف «ان الطريق لتحقيق اتفاق مازالت طويلة ومليئة بالعقبات والصعوبات، فالإرهاب من جانب غزة مازال مستعرا، ولا يوجد ولن يكون هناك انسحاب إسرائيلي بأي شكل قبل اجتثاثهم هم أيضا»، فإن رسالته تغدو واضحة للذي يريد ان يقرأها، فهو يوظف هنا سياسة وسلام الترغيب للسلطة والترهيب لغزة، التي يلوح لها بالعصا الغليظة.
ثم يلحق به الجنرال باراك الذي أعلن: إن الغاية التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها هي تقوية عباس ورئيس حكومته سلام فياض، وإضعاف حركة «حماس»، وان اليد الأولى تبحث عن كوة لصنع السلام واليد الثانية ثابتة على الزناد.
وكان الكاتب الإسرائيلي مناحيم بيجين قد سبقهما في مقال له في معاريف 1 / 10 2007 حيث كتب: إن الفرقة الفلسطينية هي مصلحة إسرائيلية عليا، والمؤكد ان هذه البديهية لا تغيب عن الفلسطينيين ابدا، في الوقت الذي لا تغيب فيه عن الأجندات والمخططات الإسرائيلية في حالتي الحرب والمفاوضات، فدولة الاحتلال تعمل على تمزيق الخريطة والوحدة الفلسطينية السياسية والجغرافية والسكانية على مدار الساعة، ناهيك عن مساعيها الرامية إلى نقل الفتنة إلى الضفة بعد أن وقعت الكارثة في غزة!
وفي هذا الصدد نقلت صحيفة جيروزالم بوست الإسرائيلية الناطقة بالإنجليزية 5 / 9 / 2007 عن تقييم حديث للجيش الإسرائيلي حول الصراع القائم بين حركتي فتح وحماس أنه يوجد حوالي 80 ألف قطعة سلاح غير شرعية بين أيدي «الإرهابيين» في الضفة الغربية ـ على حد زعمها ـ وأضافت الصحيفة أن هذه الأسلحة مخبأة بمعظمها في المنازل الخاصة أو مخابئ سرية،.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني كبير قوله لديهم الأسلحة والمتفجرات والأهم من ذلك أنهم يتمتعون بحافز كبير وان حماس حالياً في «مرحلة انتظار» وتحاول أن توحّد بعض الفصائل المنفصلة عنها في مختلف أنحاء مدن الضفة، مع المجموعات «الإرهابية» التي تقيم في مدينتي نابلس وجنين شمال الضفة، وأردفت أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تشعر بالقلق من احتمال انهيار قوى حركة فتح مثلما حدث في غزة.
وفي سياق تحريضي واضح اختتمت الصحيفة الإسرائيلية قائلة: إن القيادة الوسطى في الجيش الإسرائيلي تعتقد أن الوقت بدأ ينفد من عباس وأنه في الأشهر القليلة المقبلة ستحاول حماس الإطاحة بحكومته في الضفة والاستيلاء على الفروع الأمنية والمؤسسات التابعة للسلطة، ولذلك تحتاج القوى الأمنية للشعور بأن لديها أسبابا للقتال، يجب أن يشعروا أن لديهم حياة أفضل يتطلعون إليها، وإلا فلن يشكلون أي تحد بالنسبة لقوات حماس.
فهل هناك أوضح وأوقح من هكذا تحريض إسرائيلي خبيث يهدف إلى تأجيج الفتنة الداخلية الفلسطينية ونقلها من غزة إلى الضفة أيضا؟!
لذلك ربما يكون مصطلح «تفكيك النص الفلسطيني» هو الأدق إلى حد كبير في وصف المشهد الفلسطيني الراهن وتداعياته المحتملة، فتفكيك النص الوحدوي النضالي/الكفاحي الصمودي الفلسطيني كان من أهم وأخطر أهداف الاحتلال الاستراتيجية على الإطلاق، ولعل ما جرى ويجري اليوم انما يحقق لهم هذا الهدف المرعب الذي قد يترتب عليه فلسطينيا أسئلة وجودية تتعلق بمصير القضية والمشروع الوطني الفلسطيني برمته!
وحينما تعلن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي لفني عن ضرورة العمل بشكل متزامن ضد حركة «حماس» ومن اجل تقوية حكومة سلام فياض لمنع حركتي «فتح» و«حماس» من استئناف العمل المشترك بينهما عن الإذاعة العبرية الرسمية 8 / 7 / 2007.
وتحذر لاحقا من الوحدة الفلسطينية قائلة: الوحدة الفلسطينية تعني جمودا وتدهورا عن عرب 48، 6 / 8 / 2007، مضيفة: ان هذا يتطلب من الإسرائيليين والفلسطينيين الحسم، وينبغي أن يدعم العالم العربي الخطوات الإسرائيلية حيالها عن طريق التطبيع على مراحل، فإنها تكون قد شرحت لنا على نحو عميق فلسفة المؤسسة الإسرائيلية ورؤيتها لقضية الوحدة الوطنية الفلسطينية.
وكانت الفرحة الإسرائيلية قد ذهبت ابعد من كل ذلك بوضع علامات استفهام حتى وجود الشعب الفلسطيني ، اذ كتب د . أوفير هعبري في يديعوت احرونوت 26 / 6 / 2007 يقول: الشِقاق السياسي والثقافي الذي أخذ يزداد بين عرب غزة وأولئك الذين في (يهودا والسامرة) يثير للبحث إمكانية إقامة وحدتين سياسيتين مستقلتين ومستقبل القومية الفلسطينية عامة، لكن ـ يضيف ـ قد يكون علينا أن نسأل هل كان يوجد في مرة ما حقا «شعب» فلسطيني؟
ويستكمل الكاتب والأديب الإسرائيلي عاموس عوز - يديعوت احرونوت 31 /7 /2007 الرؤية الإسرائيلية قائلا: إن الفصل بين غزة تحت سلطة «حماس» وبين الضفة التي يحكمها المعتدلون هي ساعة مناسبة تاريخية لصنع السلام بين إسرائيل وحكومة محمود عباس، فحكومة اولمرت وحكومة عباس تقبلان مبدأ دولتين لشعبين، وفكرة المناطق مقابل السلام والتوجه الذي يؤيد إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وليست نقاط الاختلاف قليلة، لكن لا يوجد في أية واحدة منها فرق كبير بين الجانبين، قد يقرب تفاوض مكثف الاختلاف ويفضي الى مسودة اتفاق.
وعلى نحو اخطر يكشف لنا حقيقة التوجه الإسرائيلي في قصة الفصل والعزل أعربت محافل إسرائيلية عن اعتقادها ان إسرائيل ستنجح في عزل غزة عن الضفة الغربية والقدس الشرقية وغور الأردن عن باقي الضفة الغربية عن المصادر الإعلامية 18 / 6 / 2007، وكتب باتريك اندجار يقول: بعد سنتين على انسحاب اسرائيل الأحادي من غزة، تحقق على ما يبدو حلم ارييل شارون وايهود اولمرت بعزل هذا القطاع من خلال اعتمادهما سياسة تقضي بإضعاف محمود عباس.
ولذلك نقول في خاتمة قراءة المشهد الفلسطيني والنوايا والخطط الأخرى الإسرائيلية المبيتة ضد الفلسطينيين ومشروعهم النضالي عشية مؤتمر الخريف، انه حينما يكون التفكك الفلسطيني مصلحة اسرائيلية عليا، فإن الحقيقة الكبيرة المستخلصة والأهم هنا تبقى أن الوحدة الوطنية الفلسطينية والقيادة الجماعية من أقصى الإسلام مرورا بفتح الوسط وصولا الى أقصى اليسار هي المخرج من المأزق، وهي البديل الملح والعاجل لهذه المشهد الفلسطيني النكبوي!
وتثبت الخلاصة المفيدة دائما: اذا أردت ان تعرف حقيقة الوضع الفلسطيني فاقرأ نوايا ومخططات العدو.. وانظر الى أنيابه!
كاتب فلسطيني