دعا الرئيس المصري حسني مبارك العلماء والدعاة والمفكرين إلى تجديد الخطاب الديني مؤكداً الحاجة إلى خطاب ديني متطور ينشر قيم الاعتدال والتسامح ويحاصر الغلو والتطرف ويركز على جوهر الدين، وحمّل الرئيس المصري في كلمته خلال الاحتفال بليلة القدر العلماء والدعاة والمفكرين مسؤولية تجديد الخطاب الديني قائلاً: تلك مسؤوليتكم فانهضوا بها.

وبالأمس القريب استقبل رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، العلماء والكتاب والصحافيين ودعا العلماء إلى القيام بواجبهم في إبراز تعاليم الإسلام السمحة ونشر المحبة والاعتدال بين المسلمين كافة.

كما استقبل سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد وزير العدل ووزير الأوقاف وأعضاء هيئة الفتوى، وأكد أهمية بذل المزيد من الجهود لنشر تعاليم الدين الإسلامي ومبادئه السمحة التي تتميز بالوسطية والاعتدال حتى يساهم في بناء مجتمعات مترابطة وتنشئة أجيال صالحة.

وبمناسبة الذكرى الثامنة لتوليه الحكم حث العاهل المغربي الملك محمد السادس، المثقفين إلى جانب العلماء لكي يقوموا بدور تنويري، بدل ترك الشباب عرضة للضياع والظلاميين الذين يشحنون ضعاف النفوس والعقول لحملهم على الأفعال الانتحارية المحرمة شرعاً وقانوناً.

هذه اللقاءات وتلك الكلمات التي تكررت خلال شهر واحد هو هذا الشهر الفضيل، تأتي لتعبر عن عمق إحساس القادة والزعماء بأزمة الخطاب الديني ولتعكس حجم معاناة مجتمعاتنا تجاه الدور السلبي والتحريضي الذي يلعبه الخطاب الديني السائد.

وواضح أن رغبة القادة والزعماء ملحة في إصلاح هذا الخطاب المعلول، وهو إصلاح لا يتعلق ب(النص) المقدس، ولا يمس (الثوابت) الدينية وإنما ينصب على خطاب الدعاة والوعاظ والخطباء والمفتين والباحثين والذي يلعب دوراً بارزاً في تشكيل (وجدان) المسلم، وفي تكوين (عقله) وتحديد مفاهيمه وتصوراته ومواقفه سواء فيما يتعلق بمجتمعه (مواطنين ومقيمين) أو فيما يتعلق بالنظام السياسي الذي يحكمه أو فيما يتعلق بنظرته للشعوب الأخرى غير المسلمة.

ولذلك من السخف ادعاءات رموز دينية مسكونة لهواجس تآمرية، من أن تجديد الخطاب الديني، إملاء من الغرب وأميركا حتى نمشي في ركابهم ونكون مطية لهم، فهم يريدون إلغاء التعليم الديني وحذف آيات الجهاد بهدف التغريب وطمس الهوية الدينية الإسلامية بسبب الرواسب الصليبية الحاقدة في نفوسهم، هذه ادعاءات وأقاويل (واهمة وإن كانت رائجة في الساحة يجب ألا نلتفت إليها ولا نعيرها أية أهمية، لأن منطلقها فكر (تخويني) بائس يحتكر الدين والوطنية، يتهم الأنظمة العربية والحكومات ودعاة الإصلاح بأنهم تابعون ينفذون المخططات الأميركية.

لا الغرب يطالبك بالتخلي عن ثوابتك ولا أحد يريد طمس هويتك أو أن تترك دينك وتلغي مقدساتك، بل ذلك غير متصور ـ أصلاً ـ في العلاقات الدولية المتبادلة إلا لدى من يريدون نشر تلك الأوهام لخدمة مصالح حزبية ضيقة تتلاعب بعواطف الجماهير وتسمم عقولهم بمثل تلك الأراجيف حتى ينقم الناس على حكوماتهم.

الغرب هو الذي ينفق على مساجد المسلمين في أوروبا ويصونها ولا يرى بأساً أن تتحول كنائسه إلى مساجد مفتوحة للعبادة، وهو يفتح أبوابه على مصراعيه للدعاة ليصولوا ويجولوا بل ويتطاولوا على الأوروبيين ويحوّلوا أبناءهم وبناتهم للإسلام.

ولا يجد في ذلك غضاضة، بينما نحن نمنعهم من كل ذلك، وهؤلاء إذا طالبوك وشجعوك على إصلاح خطابك وتعليمك الديني فذلك لمصلحتك ومصلحة مجتمعك وحماية لأجيالك من أن يتخطفهم الإرهاب، وأيضاً يريدون أن يأمنوا شرور أولادنا الذين لم نُحسن تربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم بقيم ومبادئ الإسلام، فانبعثوا في الأرض يُفسدون ويعتدون على الآمنين.

وكذلك ليس المقصود من تجديد الخطاب الديني ما توهمه (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) من أن التجديد يكون بتغيير أساليب الدعوة وفنون التعليم، فذلك غير مجد، بل ذلك حاصل فعلاً في استغلال بعض الأئمة والدعاة تقنية الاتصال الحديثة استغلالاً بشعاً سواء في مكبرات الصوت الصاخبة أو الشبكة الإلكترونية المتطرفة أو الفضائيات المحرضة إذ تحوّل دعاء «القُنوت» في «الوِتر» في هذا الشهر الفضيل إلى دعاء «تحريضي».

إذ يُسرف بعض الأئمة في تطويل «القُنوت» بالصراخ والبكاء والنحيب والعويل والتشنج والتضرع إلى الله بهدم البيوت وتيتيم الأطفال وترمّل النساء والدعاء للمجاهدين «الإرهابيين» في العراق وأفغانستان والصومال في مشهد أشبه بالتمثيل لم نعهده قبل نقل الفضائيات له. هل كان الإمام سيطول ويبالغ في الدعاء والعويل لو لم تنقله الفضائيات؟!

إنها فتنة النقل المباشر للأئمة بل إن بعض الأئمة وفي سبيل تحسين الصوت وجودته يهتمون بمكبرات الصوت على حساب الخشوع حرصاً على الوقوف مباشرة أمام الميكرفون. أليس الأوفق من أجل تحسين صورة الإسلام والمسلمين، الكف عن نقل أدعية التحريض والكراهية والتي لو ترجمت لفزع الأوروبيون من كم اللعنات عليهم ولفزعوا من المسلمين أكثر مما هو حاصل الآن؟!

إن المقصود بتجديد الخطاب الديني، تجديد شامل للآليات والأساليب والمضامين ولبنية الخطاب الديني نفسه ولأهدافه، فالتجديد ضرورة ملحّة لعبور فجوة التخلف الواسعة التي تفصل العالم الإسلامي عن العالم المتقدم، وقد كان مسعى أساسياً في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية منذ فجر الإسلام.

وهو ضرورة داخلية عميقة تنبع من رفض العرب والمسلمين لوضعهم المتردي، وهي مهمة لا تنحصر في جهد علماء الدين المستنيرين بل يجب أن تكون من أولى مهام المفكرين والمثقفين ومنظمات حقوق الإنسان انطلاقاً من النظر للإنسان باعتباره قيمة مركزية عليا ومن أهمية تحكيم العقل في كل شؤون الحياة (إعلان باريس) وما قامت الحضارة الإسلامية وامتدت إلا بفكر وخطاب متجددين.

وحين توقف التجديد ران على العقل المسلم، الصدأ، عبر ألف عام وحتى الآن، فالحاجة الآن ملحة لإعادة تشغيل طاقات التجديد بخطاب ديني منفتح على العصر ومتصالح مع العالم وقادر على مواجهة التحديات ومؤهل لتحمل المسؤوليات وفاعل في تحصين مجتمعاتنا من آفات التطرف.

والأسئلة المطروحة الآن هي: لماذا تجديد الخطاب الديني؟ ما المضامين والأهداف المنشودة؟ وهل يمكن تجديد الخطاب الديني؟ بالنسبة للسؤال الأول، كل الشواهد تؤكد فشل الخطاب السائد فشلاً ذريعاً في مهماته وأهدافه الرئيسية ومنها:

1) فشل ـ على الرغم من تسخير الموارد وهيمنة الإسلاميين على مراكز التوجيه والتعليم والدعوة وانتشارهم وتغلغلهم في المجتمع ومؤسسات الدولة وبخاصة الاقتصادية ـ فشل الخطاب الإسلامي في تحصين مجتمعاتنا تجاه أمراض التطرف، وأخفق في حماية أبنائنا من فكر العنف وعجز عن تقوية مناعتهم تجاه غزو الفكر الإرهابي.

2) فشل الخطاب الديني ـ على الرغم من الدعم والموارد ـ في تقديم صورة إيجابية عن الإسلام والمسلمين أمام العالم بعد أن شوهت صورتهم العمليات الإرهابية على أيدي الفئة التي نسميها (ضالة) تهرباً من مسؤولياتنا مع أن الذي ضللهم مشايخ ما زالوا ممكنين بيننا.

بل إن الخطاب الديني لم ينجح في تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام لذلك أصبح العالم يتوجس تجاه ما هو عربي وإسلامي وأصبحنا مصدر تنفير وتوتر وزاد الطين بلة أن الخطاب الديني المهاجر حمل أمراضه معه فشقيت الجاليات الإسلامية به وعرقل اندماجهم والبركة في الفتاوى التي تلزم المسلم المقيم في بلاد الكفار بأن يضمر العداوة لهم!!

حجباً لخطاب يصف أميركا وأوروبا ببلاد الكفر وفيها الملايين من المسلمين وآلاف المساجد، بريطانيا وحدها بها (1500) مسجد. ومهما ملأنا الأرض صراخاً بأننا أمة تدعو للخير والتسامح، لن يصدقنا العالم إذ يرانا غير متسامحين مع بعضنا بعضاً على مستوى الممارسات المجتمعية ومبدأ المساواة وحقوق المواطنة. الغرب يحكم على الإسلام من خلال سلوكنا وممارساتنا فهي الفيصل لا النصوص ولا المثل أو المبادئ والشعارات التي تبقى معلقة في الفضاء تتصادم وحقائق الواقع المجتمعي.

3) أخفق الخطاب الديني في تفعيل القواسم المشتركة بين المذاهب والأديان، بل تحول إلى عامل تأزيم وفرقة بين الطوائف والمذاهب بترويج الخطاب المذهبي التعصبي وتأجيج مشاعر الكراهية والشحن الطائفي كما في العراق ولبنان، وما زال يغذي الصراعات السياسية والاقتتال المذهبي وينتصر للمذهب والطائفة على حساب تعزيز المشترك الديني وتفعيل مبدأ المواطنة الجامعة والتي تعلو فوق كل الانتماءات والحواجز .

وعلى الرغم من كل المؤتمرات التي جمعت الفرقاء وجرمت التحريض إلا أن شيئاً من ذلك لم يفعل بعد!

4) عجز الخطاب الديني في مواكبة جهود الدولة في مجالات التنمية والإنتاج والعمل بل إنه كان عاملاً معيقاً ـ في حالات كثيرة ـ لجهود التنمية والتحديث وبخاصة فيما يمس المرأة ومشاركتها في الحياة العامة وفي إدماجها في عملية التنمية.

5) لا يزال الخطاب الديني (ماضوياً) ينوء بعبء (التاريخ) وتقديس أبطاله، يتغنى بالأمجاد ويقول (كان أبي...) وهو معزول تماماً عن حركة المجتمع الخليجي ـ أكبر منطقة معولمة تجتذب الاستثمارات العالمية ـ وغائب عن تحولاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، يخرج أفواجاً من الخطباء والوعاظ لا حاجة لنا بهم كحاجتنا إلى القانونيين والمهندسين والأطباء والعلميين والتقنيين.

كاتب قطري