الإعلام الفضائي يحاصرنا من كل جانب، فلم نعد قادرين على تحديد أولوياتنا الحقيقية من هذا الذي يتنزل علينا من السماء على شكل زخات من المطر الفضائي (القنوات التلفزيونية)، الذي سوف ينتج في النهاية طوفانا مدمرا للأخلاق والقيم الاجتماعية وعندها لن نقدر على إدارته. أولوياتنا القديمة حول البث الفضائي لم تعد كما هي، بل صرنا أكثر خوفاً منها، فلم تعد القضية كما توقعنا انفتاحاً على العالم واندماجاً في العولمة. لقد أصبحنا أمام معضلات اجتماعية كبرى، فهذا التسارع الفضائي الهائل الذي نراه من حولنا أكبر من قدرتنا على كبحه.
لم تعد القنوات الفضائية مجرد تسلية وقضاء لوقت الفراغ بل أصبحت مصدراً أساسياً في حياتنا، فنحن نفكر من خلال الإعلام ونحلل وفق ما نراه في الإعلام، بل ونحكم وفقاً لمعطيات إعلامية، بل وصل بنا الأمر إلى أن سلوكنا الحقيقي أصبح جزءاً من تشكيلات المنظومة الإعلامية التي تحاصرنا من كل جانب.
نحن مجتمعات كانت تعاني من انغلاق شديد على الإعلام العالمي، وفي غضون سنوات قليلة أصبنا بتخمة من الفضاء الذي يحيط بنا على شكل صور تلفزيونية والكترونية تداخلت فيها الكثير من القضايا وفقد فيها الكثير من المعايير التي كنا نعتقد أننا نحافظ عليها بشكل جيد.
لقد أصبح الإنسان في مجتمعاتنا غير قادر على تحديد نوعية الفضاء الذي يريد، بل أدرك الإنسان في هذه المجتمعات أن الحياة الفضائية وما بها من عروض إعلامية أصبحت تتنزل عليه من السماء دون استئذان منه.
الفضاء الإعلامي الذي يغزو الأرض التي نعيش عليها يقدم لنا كل شيء ولكنه ينسى غالبا القيم والمعايير الأخلاقية لهذه المهنة. لم يعد هناك تميز لنوعية البرامج وأشكالها والفئات الموجه إليها. لقد أصبح الجميع هدفا لهذه المنظومة الفضائية يتساوى فيها الأطفال والرجال والنساء، دون إدراك لمعايير التلقي من هذه الفئات والفروق بينها.
إن الفضاء الذي يحيط بنا سوف يصيبنا بجميع الأمراض التي لم نكن نعرفها من قبل وخاصة ذات العلاقة بالأخلاق والسلوك، هذا الفضاء الذي لا يميز في برامجه سوى الربح من جيوبنا تسلل إلينا ليمنحنا الكثير من الاضطرابات في سلوك أفراد المجتمع بجميع شرائحه.
هذا الفضاء المرير يعرض علينا مشاهده دون تمييز، فليس عنده فرق بين ما إذا كان المشهد الذي يعرضه مناسبا للطفل أو الشيخ أو المراهق، الجميع في هذه المنظومة متساوون ولا فرق بينهم، وهذا اخطر ما يمكن أن يجلبه لنا هذا الفضاء الإعلامي. ليس هناك توقيت لعرض البرامج وليس هناك مراعاة للأطفال والشيوخ وليس هناك رادع أخلاقي، المهم ما يُمطر علينا في كل وقت وكل زمان.
لقد أصبح الفضاء لا يفرق بين مشهد قتل وبين مشهد أخلاقي، بل كلما كانت المشاهد أكثر عنفاً أو أكثر إثارة كلما كان ذلك مدعاة لهذا الفضاء بأن يتنافس في سبيل تحقيق أكبر قدر من المشاهدين. لقد فقد الإعلام الفضائي سمته المهنية، فالمنافسة تدور حول الكسب المادي فقط دون النظر إلى معايير المهنة وأخلاقها. إن القنوات الفضائية على اختلاف أنواعها ومشاربها لم تعد تقدم القيم الأخلاقية من خلال مراعاة المجتمع، ولهذا السبب سوف تنتج لنا جيلاً من البشر منزوع القيم تقريبا.
فالإنسان في سلوكه يعكس المدخلات التي تعلمها، فسلوك الإنسان هو انعكاس لما تعلّمه في حياته وفي هذا الزمن لا احد يستطيع أن يشكك في أن الإعلام الفضائي الذي تبثه إلينا هذه القنوات من الفضاء سيكون عاملا مؤثرا في سلوك الأجيال الجديدة.
علينا أن نكون أكثر استعدادا لمزيد من العنف في السلوك والصراع الفكري، بالإضافة إلى انحسار القدرة على التفكير والاعتمادية وحب الإثارة الغريزية والفكرية إذا بقي الوضع كما هو. إن الصراع بين الخير والشر انفصل عن بعضه على الأرض، فالشر يبدو انه انتصر على الخير الذي بقي في الأرض مختبئا في بعض البشر، بينما الشر أصبح مالكاً للفضاء يبث من خلاله ما يريد دون حسيب أو رقيب أخلاقي.
القيم الأخلاقية والمعايير السلوكية التي تضمن للإنسان أدنى حقوقه في نوعية المادة الإعلامية المرسلة إليه ليست موجودة في مجتمعاتنا، فالبث من الفضاء أصبح بلا معايير وكل من لديه القدرة على استئجار شقة سكنية في إحدى الدول يستطيع أن يبث ما يريد. لقد أصبح أطفالنا وشبابنا عرضة لموجة من الكسب المادي الكبير على حساب القيم والأخلاق التي كنا نعدها من ثوابت المجتمع.
إن الفضاء وهو يفتح ذراعيه لكل من يريد أن ينتقل إليه لا يشترط شروطا قاسية في نوعية البث الفضائي ومقداره، فكل من يريد كسبا ماديا خاليا من القيم وهمه تشويش العقول فهناك في الفضاء مساحة واسعة خالية من اقل حقوق الإنسان في ممارسة حياة كريمة مستقلة.
إن ملاك الفضاء والقنوات الفضائية لن يكون لنا طريق عليهم لإجبارهم على تحديد معايير البث، فهم فئات مختلفة ومتناحرة لان المال وليس الإنسان هدفهم فمن تلك القنوات من يروج للمشاهد المثيرة ومنهم من يروج لأهداف سياسية ومنهم من يروج لأفكار ومعتقدات بعينها. كل هذا التنافر لن يسمح لنا بترويض الفضاء لكي يلقي علينا ما نريد، لذلك فإن الحل يكمن في رغبة صادقة في حماية أنفسنا من ذلك الفضاء بسن القوانين الصارمة وإيجاد البدائل والحلول لكيفية استقبال الفضاء واستخدام التقنية في ذلك.
إن علينا محاربة الفضاء وما يبث فيه ليس بإغلاقه، بل عن طريق التوعية وتشجيع المجتمع على استخدام أنظمة مأمونة يجب أن توفرها المؤسسات الحكومية بأسرع ما يمكن لمن يريد حماية نفسه وأسرته من هذا الفضاء.
إن الخطر الذي سوف تتركه تلك المساحة التي نجدها في الفضاء وعبر هذا الكم الهائل من القنوات الفضائية لن يكون اليوم أو غداً بل سوف نشاهد آثاره على الأجيال القادمة، وهذا ما يجب أن نفكر به جديا، فمن المعروف عن مجتمعاتنا العربية انها لا تفكر في المستقبل بل تعيش حاضرها دون إدراك كيف أتت إلى هذا الحاضر أو تفكير كيف ستنتقل إلى المستقبل. إن كل أيامنا التي نعيشها هي الحاضر فليس بين مصطلحاتنا شيء اسمه المستقبل، لذلك نحن نتكبد الكثير من المشكلات نتيجة عجزنا عن التفكير في مستقبلنا وخاصة ما يهم المجتمع وقيمه.
إن علينا أن نمارس توعية جادة للحد من تلك الغزوات الدائمة لنا من الفضاء باسم الانفتاح والتنوع، فالمجتمع مطالب بأن يكون محافظا على قيمه الأساسية من التدمير الفضائي الذي لا يبقي على قيمة أخلاقية إلا ويحاول تدميرها إما بمشهد تمثيلي أو بخبر تحليلي أو بعرض فاضح يخرج عن القيم.
إن الآباء هم أكثر الأفراد الذين يجب أن يقفوا في وجه هذه القنوات بالتوجيه لأبنائهم ومطالبة مؤسسات الدولة بتبني مشروعات تقنية تحدد الكيفية التي يمكن من خلالها الحد مما يتنزل علينا من السماء دون رقيب من تلك القنوات التي بلغت أرقاما خيالية في عددها ومكاسبها حتى أصبحنا غير قادرين على تحديد مصدرها ومكانها.
إننا لا نريد أن نكتشف بعد عقد من الزمان أننا أمام مجتمع مصاب بداء الفضاء الذي يحارب الأخلاق والقيم بجميع أشكالها (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية)، فقد يكون الزمن القادم زمناً لا نستطيع العمل فيه بدون محركات فضائية تقدم لنا المادة التي توجهنا وتشكل حياتنا، وهنا مصدر الخطورة المنتظر، إن ما هو موجود في الفضاء يدق ناقوس الخطر حول قيمنا وأخلاقياتنا، فإما أن نتعلم السباحة بين هذه القنوات بمساعدة مؤسسات الدولة أو نواجه الخطر الذي يجلبه هذا الفضاء.