بعد غد الأربعاء، 17 أكتوبر 2007 ستنتهي عطلة عيد الفطر السعيد، عساكم من عواده. وسينصرف الناس إلى أعمالهم مجدداً. بالنسبة لأعضاء مجلس النواب البحريني ستنتهي أيضاً عطلتهم البرلمانية الطويلة، وسيبدأ في ذلك اليوم دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثاني للمجلس الوطني بغرفتيه. وسيفتتح جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، من عليه المولى بوافر الصحة، هذا الدور في جلسة مشتركة لهما.

سيكون هذا الحدث مدعاة للوقوف أمام محطات كثيرة منذ بداية الانفتاح السياسي. مضى نصف عقد من السنوات منذ تراجعت بعض الشيء «الميمات الثلاثة»: المساجد، المآتم ومجالس البيوت (الديوانيات) التي من خلالها كانت قوى المجتمع المختلفة في فترة غياب الديمقراطية تصنع وتطرح آراءها و«برامجها» لصالح «ميمات» جديدة: مجلس الشورى، مجلس النواب ومؤتمرات الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني ومؤسسات الدولة المعنية جميعا بإشادة بناء الدولة والمجتمع وتوجيههما وجهة الأيام الأفضل التي لم تأت بعد.

بعد عام لن ينظر المواطن العادي إلى البرلمانيين بشكل عام (85% منهم يمثلون اتجاهات الإسلام السياسي الطائفي المتضادة)، ولا النواب لأنفسهم، بذلك الزهو لما أنجزوه في دور الانعقاد الفائت. أما رجال الثقافة والأدب فقد يستحضرون من الذاكرة الروائي الإنجليزي جون جالزورPةGalsworthy ( 1867 `` 3391 )، الذي كثيرا ما تحدث عن الدور الفتاك للذاتية في حياة المجتمعات والأفراد والذي كتب في قصته الملحميةThe Forsyte Saga (1922): «بسبب أصوات حناجرهم مطربو الأوبرا يتضخمون، أما البرلمانيون فيهزلون».

رواد مجلس النائب السابق عبد الهادي مرهون (كتلة الوطنيين الديمقراطيين) سيتذكرون قول النائب السلفي الاتجاه عادل المعاودة ان أكثر ما يخشاه هو أن يأتي البرلمان المقبل ـ الحالي ـ دون تمثيل لكتلة الوطنيين الديمقراطيين أو من على شاكلتهم ليبقى البرلمان مسرحا للتجاذبات والتباعدات الطائفية الذاتية، بينما تتراجع قضايا الناس وهمومهم الحقيقية.

البحرينيون والمتابعون من خارج المملكة يدركون اليوم أن «نبوءة» المعاودة تحققت. فرئيس كتلة الوفاق الشيخ علي سلمان يقول بأن دور الانعقاد الأول للمجلس كان بلا تشريع . وفي أكثر من مناسبة عبر الشيخ الشاب عن إحباطه الشديد لدرجة التلويح بالاستقالة من عضوية البرلمان.

لم يقطع البرلمان الحالي سوى ربع شوطه. ومن الإنصاف القول ان الحكم على نتائج أعماله لا يزال مبكرا. ومن غير المفيد طبعا بث نبوءات الشؤم منذ الآن بأن شيئا إيجابيا لن يتحقق خلال فترة السنوات الثلاث الباقية. بل اننا في تناولنا لهذا الموضوع بالمعالجة ننطلق من أن شعبنا لا يجب يعيش أربع سنوات من الوقت الضائع تضاف إلى ربع القرن الذي عاشه منذ حل المجلس الوطني عام 1975 وحتى نهاية القرن السابق. ونبحث عن سبل إحداث الضواغط على البرلمان لكي يجبر على التحرك بخلاف ما تمليه عليه طبيعة تركيبته ذات النزعات الطائفية الغالبة ليحقق للناس عددا من المكاسب.

القوى الديمقراطية تنطلق من مصالح الشعب والوطن ككل، بعكس القوى الطائفية وداعميها. وكما كان التقدميون يدعون القوى المقاطعة للمشاركة في الانتخابات رغم معرفتهم بأن ذلك سيكون على حسابهم، كذلك الآن يدعون القوى البرلمانية للإبحار بالسفينة إلى الأمام، لأن توقفها كارثة واستدارتها كارثة أكبر.

لكنه حكما على الأوضاع في داخل وخارج البرلمان اليوم فإن الاصطفاف الطائفي الذي ساد في المجتمع في السنوات الأخيرة انعكس بكل قوته اصطفافا مماثلا في البرلمان الحالي بأسوأ من سابقه.

وهكذا بهتت أمام أعين الناس الشعارات التي طالما اصطبغت بها جدران البلاد: «البرلمان هو الحل»! لا نريد بقولنا إن نضع بين الاتجاهات الطائفية علامة التطابق تماما. نعرف أن كلا منها يسعى إلى إحداث تغييرات تشريعية إيجابية في جانب، وبعضها في الجانب الآخر. ونعرف أن كتلة الوفاق أكثر مصلحة في الالتزام بقضايا الجماهير، لكن الظروف تخونها كما تخون هي نفسها حين لا تعرف كيف، بينما الكتلة المقابلة أكثر ميلا للدفاع عن مصالح القوى المتنفذة، وتعرف كيف تسوق ذلك جماهيريا. الأولى تواجه على طريقها كل المعوقات، الداخلية قبل الخارجية، والثانية كل التسهيلات.

لكن هذه وتلك تفتقدان آليات الديمقراطية الداخلية إذ أن المفاتيح الحقيقية توجد خارج تنظيماتهما السياسية. وطبيعي أن فاقد الديمقراطية لا يعطيها، هذا إذا آمن بها أصلا.

نصف هذه اللوحة البرلمانية القاتمة لنقول بأن تغييرها يبدأ من خارج البرلمان ومن داخل البلاد. كيف؟

طرح البعض أن هناك طريقين للتعامل مع الوضع السياسي القائم: الأول، تسخين وتحريك الجماهير في الشارع حتى ولو بالخروج على القانون (غير العادل في أحيان كثيرة)، والثاني، العمل من داخل البرلمان ومؤسسات الدولة وقوانينها. وأن أحد الطريقين يتناقض مع الآخر جذريا، وأن قانون «المستثنى الثالث» وارد هنا. وبرأينا أن الإحباط الذي ولده تراجع المسيرة الديمقراطية هو ما ولد النزوع نحو التطرف أو الاستكانة.

لكن الحل، الذي لم يعد يكمن في البرلمان، يكمن في تضافر جهود أهم طرف في المعادلة: القوى السياسية الممثلة وغير الممثلة برلمانيا والمجتمع المدني في البلاد لترسيخ الوحدة الوطنية أولا مقابل الشرخ الطائفي الذي أحدثته الممارسات الطائفية من أعلى وأسفل المجتمع، والالتقاء حول برنامج حد أدنى لوقف التراجعات والعودة إلى طريق الإصلاحات السياسية ولو دون طموح القوى «الراديكالية»، لكن فوق «الكسل السياسي» لقوى الخوف من الإصلاحات.

لكنه لا يمكن لأي تجمع سياسي من داخل وخارج البرلمان إذا كان بلون طائفي واحد مهما صفت نواياه، ومهما تزين برتوش غير طائفية إلا أن يرسم لوحة قاتمة أخرى أسوأ من تلك. وعلى هذا الطريق أيضا فإن مؤتمر الحوار الوطني الأول الذي عقدته الأحزاب السياسية في 31 يناير 2006 وحضره ممثلون عن القوى الأساسية من المجتمع المدني، بينما لم يحضره ممثلون عن السلطة السياسية، شكل تجربة مفيدة لترسيخ الوحدة الوطنية إذ لم يتسم بأي سمة طائفية.

كما مثل إجماعاً وطنياً عاماً عكسته التوصيات الأربعة عشر التي خرج بها، وفي مقدمتها رفض القوانين ومشاريع القوانين المناهضة للحريات. وقد شكل ذلك ضغطاً كبيراً على مختلف الكتل النيابية لتصب بمواقفها في هذا الاتجاه. سلبية ذلك المؤتمر هي ضعف الآليات الدائمة لمتابعة توصياته.

يجري الآن الحديث عن التحضير لمؤتمر حوار وطني عام ثان من قبل لجنة التنسيق بين الجمعيات السياسية. ونعتقد بأن تركيز الجهود كي يخرج هذا المؤتمر بنتائج أفضل من سابقه، وبأن إعطاء الدولة، وليس البرلمان وحده، الاعتبار اللازم لهذا المؤتمر وتمثيلها فيه بمستوى رفيع سيساعد البحرين، كل البحرين على مواجهة «أمراض» النمو الديمقراطي.

ajnoaimi@gmail.com