في الوقت الذي يعمل فيه الجميع على الارتقاء بالخطاب الديني والاقتراب به من قضايا العصر الذي يفرض كل يوم مستجدات لا مجال لتجاهلها ويحتم التعامل معها بشكل حضاري، تأتي الفتوى التي أطلقها شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك حول الصحافة والقضايا المتعلقة بالنشر لتعيدنا إلى المربع الأول الذي كلما ابتعدنا عنه أعادتنا مثل هذه الفتاوى إليه من جديد.
شيخ الأزهر الذي كان يلقي خطبة الجمعة بحضور رئيس مجلس الوزراء المصري وعدد من الوزراء ذهب إلى جواز جلد الصحافي تطبيقاً لحد القذف، وأفتى بأن الصحافة التي تلجأ لنشر الشائعات والأخبار غير الصادقة تستحق المقاطعة وحرّم شراء القراء لها، دون أن يحدد الجهة التي تستطيع أن تحكم على المنشور بأنه شائعة أم خبر صادق. ثم أسهب في شرح موقفه من هذه القضية أثناء حضور الرئيس المصري لاحتفال بمناسبة ليلة القدر، وطالب بجلد الذين يقذفون غيرهم بالتهم الباطلة ثمانين جلدة.
تصريحات شيخ الأزهر هذه وفتاواه كان يمكن إخراجها من سياقها لو أنها جاءت في غير هذا التوقيت الذي تخوض فيه الصحافة المصرية معركة من أجل حرية الكلمة، يواجه خلالها سبعة صحافيين ـ بينهم خمسة رؤساء تحرير ـ أحكاماً بالسجن بناءً على دعاوى من أشخاص ينتمون للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، اتهموا فيها الصحف بالإساءة إلى رموز الحزب وعلى رأسها رئيس الجمهورية الذي يشغل منصب رئيس الحزب أيضاً. ومن بين الذين صدرت ضدهم أحكام بالسجن لمدة عام أربعة رؤساء تحرير صحف مستقلة أدينوا بتهمة الإساءة إلى رموز الحزب الوطني الحاكم.
كان الأجدر بفضيلة شيخ الأزهر أن ينأى بنفسه عن هذه القضية الشائكة وأن يترك أمرها للقضاء، أو أن يكون له فيها رأي متوازن لا يحسب عليه بالنظر إلى موقعه الديني بعيداً عن المنصب الذي يشغله، وهو منصب رسمي يتم التعيين فيه من قبل الحكومة، الأمر الذي يضعه في زاوية صعبة عندما يحتدم الخلاف بين الحكومة والصحافة المستقلة التي تمثل المعارضة، خاصة .
وأنه قد ربط بين ما يجري وبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو للقصاص من مثيري الفتن ومروجي الشائعات، الأمر الذي اعتبرته الصحف المستقلة تعريضاً بها وتحريضاً عليها، وجعل سكرتير عام نقابة الصحافيين المصريين يقول إن كلام الشيخ يأتي في إطار حملة منظمة على الصحافيين وعلى الهامش المتاح من حرية الصحافة، ويصفها بأنها «فتوى لها أهداف سياسية وليست دينية».
موقف شيخ الأزهر من القضية ـ الذي عدّه البعض فتوى شرعية بالنظر إلى موقع فضيلته الديني ـ لا يخدم بأي حال من الأحوال الجهود التي تبذل لتقريب الخطاب الديني من المطلب الشعبي ومستجدات العصر التي تتجه إلى كسب مزيد من مساحة الحرية لها، إذ لا يخفى على الجميع أن واحداً من أهم عناصر قوة التيار الديني المتعصب واستقطابه لقطاعات من فئات المجتمع المختلفة هو الاتهام الذي يوجهه هذا التيار لمن يسميهم «فقهاء السلطة» بممالأة الحكومات على حساب مصالح الشعوب.
وتأييدهم لتقييد حرية الكلمة، حتى لو كان هذا الاتهام غير صحيح أو كلمة حق أريد بها باطل. فلماذا نضع الحجج في أيدي أولئك الذين يحاولون اختطاف الدين إلى الكهوف ومغارات الجبال ليعيدوه إلينا مجرداً من سماحته وجوهره وقيمه التي تدعو إلى الحق والعدل والمجادلة بالتي هي أحسن دون تكميم للأفواه ولا جلد للظهور.
ليس مطلوباً من شيخ الأزهر أن يكون ملكياً أكثر من الملك. وإذا كانت عقوبة السجن التي يناضل الصحافيون في كل أنحاء العالم لمحوها من قاموس العقوبات المفروضة على حرية إبداء الرأي تمثل إهانة للصحافيين والصحافة التي هي رسالة سامية قبل أن تكون مهنة ووظيفة، فإن عقوبة الجلد التي ينادي بها شيخ الأزهر تشكِّل إهانة أكبر بكثير من السجن الذي دخله كثير من حملة القلم ورواد الفكر فخرجوا منه مرفوعي الرؤوس، ليجدوا أنفسهم أكثر قوة وعزماً وإرادة وتصميماً على المواجهة.
كنا نتمنى على شيخ الأزهر لو أنه دعا الحكومات إلى إفساح المجال للكلمة الحرة كي تلعب دورها في إصلاح الخلل الذي تعاني منه مجتمعاتنا العربية والإسلامية بدلاً من استعداء السلطة عليها والدعوة إلى جلد حملتها ممن قد لا تتفق آراؤهم مع رأي السلطة ومواقفها.
كنا نتمنى على شيخنا الجليل لو سلك منهج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي أصدر توجيهاته إلى الجهات المختصة في دولة الإمارات بعدم حبس أي صحافي بسبب عمله لأن هناك إجراءات أخرى يمكن أن تتخذ بحق الصحافي الذي يرتكب مخالفة معينة لا تصل إلى السجن بدلاً من أن يدعو إلى تطبيق حد القذف عليهم.
كنا نتمنى أن يرتقي خطاب شيخ الأزهر إلى مستوى المسؤولية التي تفرضها مكانته الدينية، وأن يخلع عنه رداء الوظيفة الرسمية التي تحصي عليه أنفاسه في حضرة الرؤساء والوزراء والمسؤولين بدلاً من أن يشبه الصحافيين بمثيري الفتن ومروجي الشائعات ويدعو إلى إلهاب ظهورهم بالسياط.
كنا نتمنى لو اكتفى فضيلته ـ إذا لم يكن من ذلك بد ـ بتحريض السلطات على سجن الصحافيين بدلاً من الدعوة إلى جلدهم، فالسجن أكرم ألف مرة من الجلد، وأحفظ لكرامة الصحافي ومكانته بين أهله وزملائه والناس كافة.
لذلك نقول دائماً ونكرر: إننا بحاجة إلى خطاب ديني مستنير متحرر من قيود السلطة؛ خطاب يصب في خانة الصورة الجميلة التي نريد أن نرسمها لديننا الحنيف كي نقدمها إلى شعوبنا المسلمة قبل أن ننقلها لشعوب العالم الأخرى. هذه الصورة التي لا نعتقد أنه سيزيدها جمالاً منظر صحافي يجلد ويشهد عذابه طائفة من المؤمنين لأنه أبدى رأياً لم ترض عنه سلطة بلده في صحيفة أو مطبوعة مهما كان حجمها أو تأثيرها.
السجن يا فضيلة الشيخ أحب إلى الصحافيين من الجلد، فهؤلاء الصحافيون الذين تكرِّمهم كل شعوب العالم المتحضر هم حملة القلم الذي أقسم به رب العزة، فلا تدعوا إلى جلدهم لأن في هذه الدعوة تأكيد لتخلف خطابنا الديني الذي كلما تقدم إلى الأمام خطوة أعادته مثل هذه الفتاوى إلى الوراء خطوات وخطوات وخطوات.
جامعة الإمارات