شمال العراق فوق برميل بارود. حدوده مع تركيا على وشك الانفجار. أرضه مرشحة لتكون ميدان حرب كردية ـ تركية. في اللحظة ذاتها تنكأ إحدى لجان الكونغرس الأميركي جرحاً تركيا ـ أرمنياً قديماً.
آثار ذلك غضب أنقرة، التي رأت في نبش هذا الملف إهانة لها؛ وأنه لا مبرر له سوى النزول عند رغبة الجالية الأرمنية في أميركا. كانت النتيجة أن حكومة اردوغان أدارت الظهر لمناشدات واشنطن، بعدم القيام بأي عمل عسكري واسع في الشمال العراقي. على العكس باتت الآن، حسب التصريحات الرسمية، أشد إصراراً على تنفيذ الضربة العسكرية. ولو من باب رد الاعتبار.
صراع تركيا مع حزب العمال الكردستاني التركي، مزمن. عملية الكر والفر بينهما، عبر الحدود، ليست جديدة. في الأيام الأخيرة أخذت شحنة كبيرة من التصعيد. مقاتلو الحزب قاموا بعملية أدت إلى سقوط 13 جندياً تركياً. ردت أنقرة بحشد قوات عسكرية كبيرة على الحدود؛ مع التهديد باجتياح واسع للشمال؛ لمطاردة المقاتلين المتوارين في المنطقة الكردية العراقية. سارعت بغداد إلى التحذير من عواقب مثل هذا التوغل، في الداخل العراقي.
نواب عراقيون دعوا إلى إلغاء الاتفاق الأمني الذي عقدته بغداد، أواخر الشهر الماضي، مع أنقرة ـ وهو يجيز لتركيا ملاحقة حزب العمال في شمال العراق، شرط أخذ موافقة بغداد ـ. الأوروبيون كذلك رفعوا الصوت وحذروا من العمل العسكري. كذلك فعلت الأمم المتحدة وواشنطن. لكن التعزيزات التركية لا تزال تتجه نحو المنطقة الحدودية؛ والتحركات العسكرية جارية على قدم وساق، حسب آخر التقارير. من جهته بادر حزب العمال إلى إعلان انتهاء الهدنة التي كان سبق أن التزم بها من طرف واحد، مع أنقرة، اتهم هذه الأخيرة بـ «اغتيال قيادات الحزب وتسميمها، من خلال جواسيسها».
وفيما كانت غيوم الحرب تتجمع بسرعة فوق شمال العراق، صوتت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، على مشروع قرار غير ملزم، يعترف بتعرض الأرمن للإبادة في عهد السلطنة العثمانية عام 1915. لوبي الجالية الأرمنية في الولايات المتحدة يعمل من زمان لتمرير هذا القرار. تركيا أنكرت باستمرار، وكررت أمس نكرانها حصول مجازر ضد الأرمن. تقول فقط مجموعة منهم تعرضت للقمع بسبب تمردها وتعاملها مع العدو الروسي؛ آنذاك. القيادة التركية صدمها التصويت، لم تخف حنقها.
الرئيس عبدالله غول رأى فيه إهانة للأتراك. رئيس الحكومة أردوغان جاء رده بصيغة لا تخلو من التحدي عندما قال إنه لا يستبعد اجتياح شمال العراق وإن بلاده مستعدة لمواجهة أي انتقاد دولي». والكلام موجه إلى واشنطن بصورة مبطنة. وإلى موضوع التصويت بالتحديد. الإدارة الأميركية تنصلت من القرار. الوزيرة رايس سارعت إلى إرسال اثنين من مساعديها ـ وهي في موسكو ـ إلى أنقرة؛ لتطويق ردود الفعل التركية وتبريد الأجواء مع حكومة أردوغان. لكن على الأرض الأمور لا تزال في حالة غليان؛ وخطر الانفجار على حاله.
وشمال العراق صار على ما يبدو مرشحاً ليكون كغيره من أجزاء هذا البلد، أرض قتال ومعارك وحروب تتناسل من حروب، تتجمع السحب خارج حدوده وتمطر فوق أرضه طوفانات وأعاصير. يشتبك الأتراك والأكراد والأرمن والأميركيون، في ساحات لا علاقة له بها، وينقلون جولات تصفية حساباتهم إلى أرضه؛ التي تحولت إلى مسرح مستباح، برسم النهش والقضم. أما سيادته المخترقة فلم تعد بالحسبان، باتت كالرزق السائب المباح. فهل يصحو العراقيون؟
