بإعلان رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون سحب نصف القوات البريطانية من العراق بحلول الربيع المقبل، والإبقاء على 2500 جندي من أصل 11 ألفا خاضوا القتال إلى جانب الأميركيين لحظة غزو أرض الرافدين، في مارس 2003، قد يعتقد البعض ان التحالف الأميركي البريطاني عبر الأطلسي أصابه التصدع،وانهار الجدار الصلب الذي ظل متماسكا حتى لحظة خروج توني بلير من الوزارة، في ضوء اللقاء الفاتر الذي جمع الرئيس الأميركي جورج بوش لأول مرة بالساكن الجديد لـ 10 داونينج ستريت.
غير أن هذه النظرة تلغي بجرة قلم سنوات طوال من التحالف بين واشنطن ولندن، والتي لا يمكن أن يؤدي تغيير الساسة في الجانبين إلى ما يشبه قطيعة، نظرا لتداخل المصالح وتشعبها، وإدراك صانع القرار السياسي في البلدين إلى أي مدى يمكن ان تصمد تلك المصالح في وجه العواصف التي قد تثور من وقت لآخر.
براون نفسه الذي أعلن تخفيض قواته في العراق،كان حريصا على تأكيد عدم الفشل في الحرب التي تحاصر آثارها السلبية الحليف الأميركي، وبالمثل سارع البيت الأبيض إلى تأكيد أن الانسحاب البريطاني لم يكن مفاجئاً، بما يوحي بالاتفاق بين الطرفين على مثل هذه الخطوة.
هذا لا يمنع وجود ضمور في العلاقة بين واشنطن ولندن.ووفقا لصحيفة «الديلي تليغراف» البريطانية نقلا عن مصادر داخل الإدارة الأميركية فإن البيت الأبيض لم يعد ينظر إلى بريطانيا على أنها أشد حلفائه الأوروبيين وفاء له،منذ أن تولى براون رئاسة الوزراء، وبالتالي صار يوجه أنظاره أكثر فأكثر نحو فرنسا وألمانيا.
وتنقل الصحيفة عن مسؤول رفيع في البيت الأبيض قوله «هناك قلق بشأن توجهات براون لكن عزاءنا أن باريس وبرلين لم تعودا تسببان لنا المتاعب.إن الحاجة إلى رهن كل شيء بلندن بصفتها ضامنة الأمن في أوروبا لم تعد قائمة».
لكن المسؤول الأميركي قال إن بريطانيا ستظل دائما هي «حجر الزاوية» في السياسة الأميركية إزاء أوروبا رغم «مظاهر الاستياء الكثيرة» من أداء القوات البريطانية في البصرة والقبول بسحب براون الجنود البريطانيين المتبقين من العراق والبالغ عددهم 4500 جندي خلال السنة المقبلة.
وتقول الصحيفة إن الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني لم يتحدثا عبر الهاتف سوى مرتين خلال الأشهر الثلاثة الماضية منذ أن التقيا في كامب ديفيد في يونيو الماضي بينما كان بلير وبوش يعقدان مناظرات أسبوعية عبر دائرة تلفزيونية مغلقة.
كل هذه مؤشرات على فتور في العلاقة لكنها لا ترقى الى وجود قطيعة بين الجانبين، كما قد يتصور البعض، فلغة المصالح بين الطرفين اقوى من ان تفسدها سياسات تكتيكية، ربما تكون في صالح الحليف البريطاني، وطالما توفر أيضاً البديل الفرنسي والألماني في اللحظة ذاتها، كما ان الحليف البريطاني فضل سياسة الخروج التدريجي من العراق وليس بقرار مفاجئ على غرار ما فعله الأسبان في ابريل عام 2004 بعد هزيمة أزنار ومجيء خوسيه لويس ثاباتيرو إلى مقعد رئاسة الوزراء بيوم واحد.
وهو ما شكل إحراجا بالغا للإدارة الأميركية وقتها، ففي كلمة له أمام مجلس العموم، قال براون إنه سيتم تسليم محافظة البصرة إلى السلطات العراقية على مرحلتين، بحيث تقوم القوات البريطانية بتدريب القوات العراقية وتقديم النصح لها في المرحلة الأولى ويقتصر دورها في المرحلة الثانية على التدريب والنصح دون التدخل في الأمور القتالية إلا بشكل محدود.
قرار براون جاء في أعقاب صدور تقرير جديد لـ «مجموعة أوكسفورد للبحوث» دعت فيه إلى سحب كل القوات الأجنبية من العراق، بانية حجتها على أن السياسة البريطانية والأميركية في العراق وأفغانستان كانت «خطأ كارثياً خلق منطقة مواجهة وتدريب لأنصار القاعدة».
وربما تفهم الأميركيون حجم الضغط على براون في ضوء اعتراف البريطانيين بارتكاب أخطاء في العراق،وقول رئيس أركان الجيش البريطاني السير جوك ستيروب إن الحكومة البريطانية أعطت آمالاً زائفة للرأي العام البريطاني حول ما يمكن تحقيقه في العراق.