في أيام الصبا، كانت إحدى القضايا الأدبية المثارة هي انشغال الأطباء بالأدب وبروز أسماء كبيرة من بينهم في القصة والرواية والشعر. كانت تلك السنوات هي سنوات تفجر عبقرية يوسف إدريس الفذة الذي مازال حتى الآن هو سيد القصة القصيرة في عالمنا العربي وواحد من قلة تتربع على عرشها في تاريخ الأدب الإنساني كله.
ولم يكن يوسف إدريس وحده، بل كان هناك العديد من القامات الأدبية التي سبقته وعاصرته ولحقت به، ولكن ما أثار النقاش في تلك الأيام تفجر مواهب عديدة من جيل إدريس ومن زملائه في دراسة الطب. كان منهم الكثير ممن تفرغوا ـ مع إدريس ـ للأدب وللعمل الصحافي بعيداً عن الطب..
ومن أبرزهم د. مصطفي محمود الذي أبدع العديد من الأعمال الأدبية الكبيرة قبل أن يتفرغ للدراسات الدينية بعد ذلك، والصحافي الفذ صلاح حافظ الذي لم يكمل دراسته في الطب بسبب ظروف العمل السياسي والاعتقال فتفرغ للعمل الصحافي وللإبداع الأدبي، ولكنه لم ينس خلفيته العلمية، وكان من أمتع ما يكتبه تلك الزاوية التي كان يمزج فيها العلم بالسياسة منتصرا للعقل والتقدم وحب الحياة، ومن هنا كان عنوانها الجميل «انتصار الحياة».
وكان في الخلفية أسماء كبيرة ربما ألمعها صاحب «الأطلال» إبراهيم ناجي، هذا الشاعر الجميل الذي ظل يمارس الطب طوال حياته، ومع ذلك لم ينصفه الطب ولا الشعر حتى أخذ بعض ما يستحق من الشهرة الجماهيرية بعد أن غنت أم كلثوم رائعته «الأطلال». وكان السؤال الذي تم طرحه في دراسات عديدة هو:
لماذا تتفجر المواهب الأدبية عند هؤلاء الأطباء بأكثر من غيرهم من أصحاب المهن العلمية الذين لم يدرسوا الأدب بقدر كاف ؟ وكان العديد يتحدثون عن اقتراب الطبيب من الإنسان وهو في اضعف حالاته، ومعايشة العديد منهم للفقراء واقترابهم مما يعانون، ثم وقوف العديد منهم مبهورين بإعجاز الخالق في تكوين الإنسان من ناحية، وحائرين أمام لغز الحياة والموت من ناحية أخرى.
في هذه السنوات التي توقفنا فيها أمام تلك الظاهرة، كانت هناك تغييرات عميقة تحدث في المجتمع. وكانت الطبقة الوسطي تنمو بصورة هائلة ويزداد دورها في قيادة المجتمع. ومع سقوط الطبقة الحاكمة القديمة، واختلاف طابع النظام السياسي، كانت هناك فئات من داخل الطبقة الوسطي تصعد وأخرى تهبط.
كان المحامون قبل ثورة يوليو هم المسيطرون على الأحزاب مع ملاك الأرض والأغنياء. وكانت كلية الحقوق يطلق عليها «مصنع الوزراء». ثم تغير الوضع بعد الثورة وضعف دور المحامين وصعدت فئات أخرى من التكنوقراط لتشارك ضباط الثورة في القيادة.
ومع تنامي الصناعة برز دور المهندسين ورجال الإدارة الاقتصادية وأساتذة الجامعات في هذين الاختصاصين، ومنهم كان معظم الوزراء ورؤساء الوزارات. وكان عدد الأطباء في هذا الصدد قليلا، ولعل أبرزهم الدكتور فؤاد محي الدين رئيس الوزراء الوحيد من الأطباء في مصر في تلك الفترة.
في السبعينات، وعندما لجأ السادات للتيار الإسلامي مستعيناً به للتصدي للناصريين واليساريين في الجامعات، كانت خطيئته التي راح هو نفسه ضحيتها في النهاية هي غرس مبدأ استخدام السلاح لدى الشباب في مقتبل العمر. صحيح أن الأمر كان يتمثل في الخناجر والمطاوي والأسلحة المشابهة، ولكن مصيبة «العنف» أن البداية تؤدي دائما إلى نهايات مفتوحة.. ومأساوية.
في هذه السنوات، ومع نشوء الجماعات «الإسلامية» المتشددة التي دخلت في مرحلة تالية في صراع حتى مع الجماعات الإسلامية المعتدلة، كانت هناك ظاهرة بدأت تتضح شيئاً فشيئاً وهي تركز نشاط هذه الجماعات في الكليات العلمية والعملية وخاصة في الطب والهندسة. ربما لان الكليات التي تدرس الأدب والعلوم الإنسانية والتي كانت هي مراكز العمل السياسي في الجامعة كان نفوذ التيارات الأخرى فيها هو الأقوى.
وربما لان طلبة الكليات العملية - رغم تفوقهم العلمي - كانوا محدودين من حيث الثقافة السياسية ويسهل التأثير فيهم، وربما لان طلبة هذه الكليات كانوا الأشد تأثرا من تغييرات اقتصادية واجتماعية بدأت تؤثر في المجتمع كله في تلك السنوات.
ومع استمرار الصراع بين التشدد والاعتدال في هذا المجال، خرجت من هذه الكليات كوادر واعية ومدربة ومنظمة استطاعت - في غيبة نشاط حزبي علني لها - أن تصبح لاعباً أساسياً في النقابات المهنية، وبرزت منها كوادر سياسية مهمة في تيار الإسلام المعتدل. بينما خرج من الاتجاهات المتشددة أيمن الظواهري الذي ترك مصر إلى أفغانستان ليصبح الرجل الثاني في «القاعدة».
و الملاحظة المهمة هنا أنه عندما خاضت مصر بعد ذلك معركتها القاسية ضد الإرهاب في بدايات التسعينات كانت الجماعات الإرهابية تحت قيادة شبان من ذوي التعليم المحدود، وكانت معظم الكوادر من خريجي المدارس الصناعية والتجارية المتوسطة، ومن طبقات فقيرة غالباً. بل وكانت تضم أحياناً بعض أصحاب السوابق الجنائية الذين «تابوا» عن جرائمهم أو تم تجنيدهم داخل السجون.
وكان واضحاً أن الظروف الاقتصادية الصعبة والثقافة المحدودة هي «الأرضية» التي تجعلهم اسهل في التجنيد والانصياع لمنطق السمع والطاعة وتغييب العقل وتكفير المجتمع، واللجوء للعنف الذي كلفهم وكلف المجتمع الكثير، ليعودوا اليوم إلى مراجعة ذلك كله والإقرار بخطئه والاعتذار عنه في إطار عملية مصالحة أخرجت الآلاف منهم من السجون لينخرطوا من جديد في حياة المجتمع.
تفاجئنا المحاولات الإرهابية في بلدان أوروبا بالكثير مما يحمل دلالات بالغة الأهمية تتطلب منا جميعاً الانتباه إلى مرحلة شديدة الخطورة لا تقتصر آثارها على بريطانيا أو على دول الغرب بل سيكون المسلمون أنفسهم هم أكبر ضحاياها.
لقد أنقذت الصدفة لندن من محاولات التفجير بسيارات مفخخة، وخابت المحاولة التي استهدفت مطار جلاسجو، ولكن ما تكشف كان خطيراً. فالمعتقلون كانوا من الأطباء المسلمين، والأنباء تتحدث عن تنظيم متطرف يضم أكثر من أربعين طبيباً، وعمليات لندن التي انكشفت كانت البداية.
كان التعامل قبل ذلك مع المنظمات الإرهابية ينطلق من ارتباطها بالشباب المهمشين فإذا بنا أمام شباب على أعلى درجات التفوق في بلادهم ثم بريطانيا. وكانت النظرة السابقة تربط بين انسياق الشباب إلى الإرهاب وبين الفقر والظروف المعيشية الصعبة فإذا بنا أمام شباب من الطبقة الوسطي أمامهم المستقبل الواسع، فيتركون كل ذلك إلى حيث ينشرون الموت ويعانقونه في نفس الوقت.
صحيح أن هناك أسبابا تدعو للغضب من احتلال للأرض إلى تدمير للأوطان في فلسطين والعراق وغيرهما. ولكن الرد المشروع هو مقاومة جيوش الاحتلال وليس حصد أرواح الأبرياء. وصحيح ما قيل من أن تكريم سلمان رشدي قد صدم مشاعر المسلمين، ولكن الرد يكون بالاحتجاج السلمي وليس بقتل الأطفال والنساء والإساءة للإسلام والمسلمين. وصحيح أن التطرف لا يستثني أحداً، ولكني لا أستطيع أن افهم كيف يقضي طبيب ساعات في غرفة عمليات يبذل الممكن والمستحيل لعله ينقذ مريضاً على حافة الموت، ثم يخرج بعد ذلك من غرفة العمليات فيركب سيارة مفخخة ويذهب ليقتل بها عشرات أو مئات الضحايا الأبرياء !!
أشعر أن قروناً عديدة تفصل هؤلاء عن أسلاف لهم كانت دراسة الطب أو ممارسته تجعلهم الأكثر قدرة على التعبير عن أفضل ما فينا. لا أعرف عدد المرات التي قرأت فيها رائعة يوسف إدريس «لغة الآي آي» و في كل مرة تجتاحني نفس المشاعر التي تحلم بالعدل وتؤمن بقدرة البشر على صنع المستقبل الذي يختفي فيه الفقر والظلم.
وأتابع أخبار «لغة السيارات المفخخة» فأشعر بفداحة الجريمة التي ارتكبناها في حق أنفسنا حين فرطنا في مشروعنا للنهضة العربية، والذي لا أمل لنا إلا باستعادته وتطويره لنخوض به المعركة المزدوجة ضد عدو خارجي يريد الهيمنة على مقدراتنا، وضد قوى الظلام وواقع الاستبداد والتخلف والعجز عن بناء القوة وصنع المستقبل الذي نستحقه.
نقيب الصحافيين المصريين