تقدم كل من السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن والسناتور الجمهوري سام برون باك بمقترح مخطط إدخال النظام الفيدرالي على العراق كأفضل حل من أجل وقف سيل دماء الجنود الأميركيين في العراق والوصول إلى حالة من الاستقرار في ذلك البلد؛ مشروع القرار هذا حصل على تأييد مجلس الشيوخ الأميركي وبواقع 75 صوتاً مؤيداً مقابل 23 صوتا معارضا.

ورغم أن هذا القرار لم يكن قراراً ملزماً، إلا أنه لقي وابلاً من الانتقادات الرافضة له لاسيما من قبل القيادات العراقية لاسيما تلك التي في الحكومة.

ومن والقيادات العربية التي عبرت ردة فعلها عن تخوف مكنون من النظام الفيدرالي وكأنه نظام شرير لا يصلح لأن يطبق في العراق. للأسف أن ردة الفعل العراقية والعربية هذه كانت قاسية على فكرة الفيدرالية كنموذج للعراق ولم يقدم من خلالها منتقدي هذه الفكرة دلائل قوية تؤكد عدم صلاحية النظام الفيدرالي لدولة كالعراق سوى شعارات تحركها العواطف لا الوقائع.

هؤلاء المتوجسين من النظام الفيدرالي لا يدركون معنى الفيدرالية ولا أشكالها، وكأنهم يرون نموذجاً معيناً ولا يريدون أن يحتذون به. الفيدرالية في حقيقة الأمر ليست شيئا واحدا؛ فلدينا في عالم اليوم 25 دولة تتبع النظام الفيدرالي، لكنها جميعا تختلف عن بعضها البعض بشكل كبير في شكلها الفيدرالي المتبع، فالفيدرالية الألمانية ليست كالفيدرالية الأميركية، ولا الفيدرالية الروسية كالفيدرالية الهندية وليست الفيدرالية البرازيلية كالفيدرالية الإماراتية...

فالفيدرالية تنطلق من خصوصيات كل مجتمع وما هو مناسب له. فعندما يأتي الحديث عن إقامة نظام فيدرالي في العراق فإن هذا النظام لن يكون سوى تعبيرا عن حاجات المجتمع العراقي وخصوصياته.

ولعل خصوصية المجتمع العراقي المنقسم على نفسه بين طوائف وأعراق مختلفة أقرب في حاجته إلى إقامة نظام فيدرالي عن أية دولة أخرى. فالنظام الفيدرالي لا يصلح لمن ينتمون إلى طوائف وأعراق ومذاهب فكرية واحدة بل هو لمجتمع غير متجانس كالمجتمع العراقي الذي لا يمكن أن يدعي أحد بأنه وحدة واحدة متجانسة، فما بين الشيعة والسنة من اختلافات قائمة اليوم وإن كانت سياسية إلا أنها كبيرة جدا ولا يمكن لأي نظام حكم أن يزيلها، ولكن يمكن للنظام الفيدرالي أن يحد منها بدرجة أكبر عن أي شكل حكم آخر.

الفيدرالية لا تعني التقسيم كما يروج لها الكثيرون، فلو كانت الفيدرالية تعني التقسيم لقلنا إذاً أن الهند وألمانيا والولايات المتحدة وروسيا والبرازيل وسويسرا والنمسا وكندا واستراليا هي دول مقسمة، وهذا غير صحيح.

الفيدرالية تعني إقامة كيان سياسي يتم من خلاله تقاسم السلطة بين ما هو اتحادي يضم جميع أطياف الدولة الواحدة وبين ما هو محلي يضم الاختلافات المحلية القائمة في البلاد. فإذا كان هناك تقسيم للبلد فهو تقسيم إداري ليس أكثر، وتبقى البلاد وحدة سيادية واحدة بسياسة خارجية واحدة، وبسياسة دفاعية واحدة، وبسياسة نقدية واحدة، وبعلم واحد، ونشيد وطني واحد، ورئيس واحد، واسم واحد.

الفيدرالية كنظام سياسي تقف بين نظامين لا يمكن أن يتم تطبيقهما في العراق اليوم. فهناك نظام الدولة الوحدوية التي تسيطر حكومتها المركزية على جميع الشؤون الداخلية والخارجية كحال العراق زمن نظام صدام حسين، وهذا الشكل من الأنظمة لا يمكن أن يتحقق في العراق نتيجة للاختلافات الكبيرة القائمة في داخل المجتمع العراقي والتي تجعل كل طرف لا يثق في الطرف الآخر.

وهناك النظام الكونفيدرالي والذي يسعى إلى أن تكون الدولة الاتحادية فيه ضعيفة وتكون القوة الكبرى للمحليات. النظام الفيدرالي هو بين هذين النظامين، حيث إنه يدعو إلى إقامة دولة واحدة ذات نظام اتحادي واحد مع احترامها لسلطات وصلاحيات المحليات.

فالنظام الفيدرالي يقيم عدالة في التمثيل السياسي وبالتالي لا أعتقد أن هناك خوفا في العراق من هذا الأمر وإنما الخوف الدائر اليوم في العراق نابع أساسا من الخوف من مسألة تقاسم الثروة.

وهناك منطق في مثل هذا الأمر، فالعراق بلد نفطي ونفطه موزع بطريقة غير متساوية بين مناطق العراق المختلفة، فإقامة نموذج لنظام فيدرالي يقوم على إعطاء بعض الأقاليم ثروات أكبر على حساب الأقاليم الأخرى هو أمر مرفوض في فيدرالية العراق المنشودة وهو خط أحمر لابد من عدم تجاوزه لأنه بالفعل لن يؤدي إلا إلى تدهور الأوضاع في العراق. لكننا ذكرنا سابقا أن النظام الفيدرالي ليس له نموذجاً واحداً يقتدى به.

وبالتالي فإنه يمكن لكل دولة والعراق في هذا الخصوص أن يضع الضوابط الخاصة بتوزيع الثروة النفطية بحيث يكون ذلك التوزيع عادلا ومتساوياً بين الأقاليم المختلفة حتى لا يستأثر طرف على الطرف الأخر؛ ويكون ذلك بالطبع في جعل الثروة النفطية من مسؤولية الطرف الاتحادي لا مسؤولية الأطراف المحلية وهو ما لا ينافي روح النظام الفيدرالي بالطبع.

صحيح أن النظام الفيدرالي ليس أفضل الأنظمة على الإطلاق حيث إنه لا يوجد هناك نظام نستطيع أن نقول عنه إنه أفضل نظام حكم بالشكل المطلق، لكننا نرى أن كل دولة لها خصوصيتها التي تجعلها أكثر تناسبا مع نظام دون غيره، والعراق بحالته الحالية هو نظام أقرب إلى أن يتناسب مع النظام الفيدرالي عن أي نظام آخر.

وحتى الدول المركزية الواحدة نجدها تميل اليوم إلى استخدام عناصر الفيدرالية في تسيير شؤون البلاد، فالصين دولة ليست فيدرالية ولكن الاختلافات العرقية والمذهبية جعلت من الحكومة الصينية تتبنى منهج منح المقاطعات نظام الحكم الذاتي، وهذا عنصر من عناصر الفيدرالية التي تجعل المحليات تتولى تسيير أمورها اليومية بذاتها مع مباشرة الحكومة المركزية على الأمور السيادية الهامة كالدفاع والأمن والثروة.

فأولئك المنتقدون للنظام الفيدرالي للعراق لم يقدموا وللأسف الشديد بديلاً عن الفيدرالية كنظام يمكن أن يطبق بنجاح في العراق. الفيدرالية ليست شرا على الإطلاق، ولكن الشر هو أن تحكم على الأمور من منطلقات ضيقة جدا وبعيدة كل البعد عن مستقبل العراق الذي يجب أن يكون للجميع وليس لفئة أو طائفة أو عرق على حساب فئة أو طائفة أو عرق آخر؛ صحيح أن هناك مخاوف للبعض من إقامة نظام فيدرالي في العراق لكن مثل تلك المخاوف يمكن تجاوزها بتطويع النظام الفيدرالي لحالة العراق.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com