هل تتجدد الحرب بين الجنوب والشمال في السودان إذا بلغت الأزمة الحادة الراهنة بين «الحركة الشعبية» الجنوبية وحزب «المؤتمر الوطني» الشمالي الحاكم طريقاً مسدوداً تماماً؟

لمدى أكثر من عامين ونصف العام منذ تطبيق اتفاق نيفاشا للسلام بين «الحركة» وحكومة «المؤتمر» تمكن الطرفان من إزالة خلافات حول عدد من المشكلات التي نشأت على طريق التطبيق العملي، لكن بقيت قضيتان استعصتا على كل محاولة لأي حل وأي تسوية:

مشكلة مصير مدينة أبيي ومشكلة الترسيم الأرضي للحد الجغرافي الفاصل بين إقليم الجنوب وبقية السودان على أساس حدود 1/1/1956 ـ يوم إعلان استقلال البلاد، فقد تصلب كل من الطرفين على موقفه في هاتين المعضلتين وعلى الأخص ما يتعلق بتحديد مصير أبيي وتبعيتها إما للشمال أو للجنوب.

والقول إن التنازع حول أبيي يتعلق أساساً بأن المنطقة غنية بالنفط قول ينطوي على تبسيط مخل، فالنزاع ذو طبيعة قبلية بالدرجة الأولى، فهو صراع حول المراعي وموارد الماء بين قبيلة شمالية في جنوب كردفان (المسيرية) وقبيلة جنوبية في شمال بحر الغزال (الدينكا).

في وثيقة نيفاشا اتفاق بين طرفي التفاوض ـ حكومة «المؤتمر الوطني» و«الحركة» الجنوبية ـ على تشكيل لجنة تحكيم دولية، وبعد أن أوصت اللجنة التي ترأسها سفير أميركي سابق لدى السودان هو دونالد باترسون فإن المؤتمر الوطني رفض التوصية على الفور محتجاً بأن اللجنة الدولية تجاوزت اختصاصها، فقد كان المطلوب منها ـ يقول المؤتمر الوطني ـ إجراء دراسة توثيقية للتاريخ الإداري لمنطقة أبيي وحدودها دون إصدار حكم لصالح أي من الطرفين.

مشكلة ترسيم الحدود الجغرافية بين الشمال والجنوب هي التي تتعلق بالنفط في مناطق التماس، والآن وبعد فشل العديد من التشاورات والمباحثات في التوصل إلى مساومات وسطية يبدو أن قيادة «الحركة» الجنوبية قررت أن تعمد إلى تصعيد خطير للأزمة من قبيل شن ضغط على المؤتمر الوطني الحاكم مما يؤدي إلى طرح تساؤل مصيري: إلى أين تتجه الأزمة بعد هذا التصعيد.

بعد اجتماع حاسم للمكتب السياسي للحركة الشعبية عقد في جوبا عاصمة الإقليم الجنوبي أعلنت الحركة تجميد مشاركتها في الحكومة المركزية، لكن من يطالع بيانات الحركة في هذا الصدد بعناية لن يسعه إلا أن يتوصل إلى استخلاص بأن هذه البيانات موجهة من ناحية إلى أحزاب المعارضة الشمالية وإلى القوى الدولية والإقليمية التي رعت مفاوضات نيفاشا من ناحية أخرى بقدر ما هي موجهة إلى قيادة شريك السلطة.. المؤتمر الوطني، غير أن هذا «التكتيك» الخطير قد يؤدي عند نهاية المطاف إلى نسف اتفاق نيفاشا نفسه، وبالتالي نسف الترتيبات العملية التي أنشئت على أساسه على صعيد الشراكة السلطوية.

في سياق تسميته لما اعتبره قضايا خلافية بين طرفي نيفاشا اتهم الأمين العام للحركة الجنوبية باقان أموم المؤتمر الوطني «بإعاقة التحول الديمقراطي» ومعارضته لأية مبادرة «لبدء مصالحة وطنية» وأن تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية الراهنة «بحاجة إلى تعديل».

ومن ناحية أخرى أشار إلى السلوك الاستقلالي للمؤتمر على صعيد آلة السلطة بما في ذلك «طرد دبلوماسيين دوليين دون موافقة الحركة الشعبية».

في الجزء الأول يتملق أموم قيادات المعارضة الشمالية المتعطشة للسلطة بأي ثمن وبأية وسيلة، والجزء الثاني عبارة عن طلب ضمني إلى القوى الدولية والإقليمية للتدخل لصالح «الحركة»، فهل يدري الأمين العام للحركة مغبة هذين التوجهين؟