فشل لقاء موسكو بين وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين وبين القيادة الروسية، فاحت منه رائحة انبعاث، غير مستبعد، للحرب الباردة. بوادر سباق تسليح جديد، ترتسم في الأفق، منذ فترة أخذت تجلياته تتجمع وتتراكم. فجوة الارتياب والتباعد تتوسع، بين واشنطن وموسكو. مشاريع وشبكات صواريخ طلعت إلى العلن؛ إما بنية نصبها وإما بنية الرد عليها.

حصلت محادثات واجتماعات؛ لكن بدا أنها لتسويق هذه المشاريع وليس للعثور على مخرج، مما بدأ يشكل مدخلاً لأزمة بين العاصمتين وهي أزمة لو تمادى تفاقمها محكومة بتجديد الصراعات على مدى الساحة الدولية؛ مع كل ما يترتب على ذلك من أكلاف وتوتر ونزف؛ سيكون العالم الثالث ميدانها الرئيسي كأيام زمان.

إدارة الرئيس الأميركي قررت، قبل فترة بناء شبكة صاروخية واقية في بولندا والتشيك. زعمت أنها تقوم بنصب هذه الدرع حماية لأوروبا والغرب من صواريخ إيرانية وكورية شمالية.

هبت موسكو معترضة، من باب أن الشبكة موجهة ضدها؛ وأنها تأتي في سياق زيادة محاصرتها وتطويقها، لعزلها وخنق قدراتها، واشنطن تمسكت بإصرارها وبحيثياتها.

جولات كثيرة من الأخذ والرد؛ ولقاءات على أعلى المستويات؛ لم تفلح في زحزحة أحد الفريقين عن مزاعمه. ومنها اجتماع موسكو، أمس الأول. لا موسكو اقتنعت بالتطمينات الأميركية، ولا واشنطن أخذت بالمخاوف الروسية، لجهة القيام بإعادة النظر في المشروع، بل أكثر إذ هدد الروس بخطوات مقابلة.

وذلك من خلال التلويح بالانسحاب من معاهدة تقليص الرؤوس النووية الموقعة بين الجانبين، إذا لم تحصل مراجعة لها على ضوء التغييرات العالمية وإشراك دول أخرى بها. الرسالة من ذلك أن موسكو عازمة على مراجعة كل معاهدات الحد من التسلح الموقعة في الماضي؛ على قاعدة انه لم يحصل التزام بموجباتها، والمعروف أن روسيا كانت قبل فترة قد أعلنت انسحابها من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا؛ بزعم أنه لم يتحقق الالتزام بمنطوقها.

كل ما أمكن التوصل إليه في موسكو، قبل يومين، اقتصر على إحالة موضوع الشبكة وملف معاهدة تقليص الرؤوس النووية إلى «خبراء من الجانبين لدراسته وفي أسرع وقت»!

كما أبدت روسيا استعدادها «لدراسة» اقتراحات واشنطن بخصوص القوات التقليدية، في أوروبا، ولو أنها رأت فيها بأنها خطوات «غير كافية». النقطة الوحيدة التي جرى حولها توافق، غير ذي قيمة عملية: «دعوة كل البلدان إلى الانضمام إلى معاهدة إزالة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى».

قصارى القول أن الأميركيين والروس دخلوا من جديد على ما يبدو طريق التوافق على عدم الاتفاق؛ في قضايا السلاح والتسلح. ملفات الخلاف أحيلت إلى الخبراء والدراسة وإلى الوعد بمواصلة المشاورات وما إلى ذلك من عناوين؛ فيما بدأت على الأرض خطوات تفكيك المعاهدات، أو التسبب في تفكيكها؛ المحكوم بحصيلة حتمية: العودة عما بدا أنه بداية لتقليص الترسانات العسكرية وأسلحة الدمار الشامل، في أعقاب الانهيار السوفييتي، إلى ليس فقط وقف هذا التوجه بل أيضاً الرجوع إلى دوامة التسابق في تعزيز هذه الترسانات بآخر ما توصلت إليه التكنولوجيا الحربية.

واشنطن تعود إلى ما يشبه معزوفة حرب النجوم، عبر الشبكة الردعية الجديدة وموسكو تقوم بتفجير نووي جديد وبإطلاق صاروخ الصواريخ، على ما تقول، الأولى تعمل منذ توسيع الناتو على تشديد الخناق حول روسيا، والثانية ترد بما عندها من جديد ومن خلق المتاعب لواشنطن في الساحات الحامية، وعود على بدء في عالم مفتوح على المجهول.