لن تستطيع أحزاب اللقاء المشترك ولا غيرها أن تحجب الحقيقة الساطعة من أننا في اليمن نعيش واقعاً ديمقراطياً ناضجاً يقوم على التعددية السياسية والحزبية وحرية الرأي والتعبير والاحتكام لخيارات الشعب.
ولن تستطيع هذه الأحزاب أيضاً أن توقف مسيرة هذه التجربة الديمقراطية أو الحؤول عن السير بها قدماً في اتجاه تطوير آلياتها والانتقال بها إلى فضاءات جديدة تكسبها المزيد من الديمومة والحيوية باعتبار أن التطور هو سنة من سنن الله في الكون ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وتدلنا الكثير من الشواهد على أن أي نظام سياسي يميل إلى الجمود والتكلس والتوقف عن مجاراة حركة الزمن ومواكبة المستجدات والمتغيرات التي تنساب في بيئته الداخلية أو على نطاق الساحة الخارجية إنما هو الذي يجني على أولئك الذين منحوه ثقتهم في إدارة شئون حياتهم وتحقيق تطلعاتهم وآمالهم في النماء والنهوض والازدهار.
ولأن الجمود لا مكان لـه في أجندة قيادتنا السياسية ممثلة بفخامة الرئيس علي عبدالله صالح، فقد كان من الصعب على هذه القيادة التخلي عن مسئولياتها والارتهان لمواقف أولئك الذين أرادوا مخالفة سنة التطور من خلال تعاطيهم السلبي مع المبادرة الرئاسية بشأن التعديلات الدستورية وتعزيز المشاركة الشعبية وتوسيع صلاحيات الحكم المحلي، خاصة بعد أن أثبتت الكثير من الوقائع أن هؤلاء ما زالت تتحكم بهم ثقافة الماضي الشمولية وأنه لا صلة لهم بالحاضر أو المستقبل.
ومع ذلك فما زالت الفرصة سانحة أمام تلك الأحزاب وقياداتها للخروج من "عنق الزجاجة" والاستجابة لدعوة الحوار التي أعلن عنها الأخ الرئيس وهي الدعوة التي تجسد روح الامتثال لقيم الديمقراطية وقواعدها، حيث وأن قيام مثل هذا الحوار لا يحتاج لمن يجتهد للبحث عن الأسباب التي استدعته، فالحوار بين مكونات العملية السياسية والحزبية يظل مسألة صحية وتدل على النضوج واستشعار هذه الأطراف لواجباتها حيال ما يتصل بقضايا الوطن والمجتمع.
وبالتعاطي الإيجابي مع دعوة الحوار ستبرهن أحزاب المشترك من أن حديثها عن الإصلاحات ليس مجرد فرقعة إعلامية الهدف منها البلبلة والكيد السياسي والنفخ في الهواء.
وبصرف النظر عن كل ما قيل أو سيقال حول المبادرة فإننا نعتقد أن أية دعوة للحوار ينبغي أن تقابل بتفاعل الجميع لما من شأنه نجاحها وبلوغها أهدافها المنشودة لكون الحوار يمثل أهم مرتكزات العملية الديمقراطية.
والمؤكد أن تكريس هذا النهج في التوجهات الحزبية سينعكس بفائدته وثماره على الحراك الديمقراطي ومستقبل العمل السياسي الأمر الذي يتوجب معه عدم إخضاع مثل هذه الغايات للجدل والتشكيك والأحكام المسبقة، خاصة وأن جميع أطراف المصفوفة الحزبية والسياسية معنيون بالتعبير عن جدية الفعل، وجودة العمل والإخلاص في النوايا والابتعاد عن الانفعالات التي قد تدفع بالبعض منهم إلى التصور خطأً بأحقيته في فرض أجندته على الآخرين خارج إطار المشروعية الديمقراطية والانتخابية.
ومن الحكمة أن تسارع أحزاب اللقاء المشترك إلى إعادة تصويب مواقفها والتخلي عن عنادها ومكابرتها بحيث تتحول إلى معارضة إيجابية تستهدف البناء لا الهدم والإصلاح لا التخريب وصولاً إلى استعادة ثقة الناس بها وبتوجهاتها وبقدرتها وأنها ستكون أمينة عليهم وعلى الديمقراطية إذا ما وصلت إلى السلطة وكراسي الحكم عن طريق صناديق الاقتراع.
وحتى يتسنى لهذه المعارضة أن تقدم مثل هذه الصورة عن نفسها فإن ذلك يستلزم منها أن تكون في موقع القدوة في احترامها لاستحقاقات النهج الديمقراطي وإرادة الجماهير وألا تنصرف إلى استخدام الديمقراطية لغايات أنانية ضيقة على حساب الوطن ومصالحه العليا.
