قرار مجلس النواب الأميركي بتقسيم العراق ليس سوى رسالة خاطئة بقرار غير ملزم للعراقيين الأكراد والعرب ولا للعرب المسلمين والمسيحيين ولا للمسلمين الشيعة والسنة في العراق، لأنه يصدر من غير ذي صفة سوى صفة المحتل البلطجي الذي استولى بالقوة على وطن الغير، وقتل بمئات الآلاف من شعبه ما قتل، وهجر بالملايين من أبنائه ما هجر، ودمر من بنيانه ما دمر بمزاعم كاذبة..
الرسالة الأميركية الخاطئة بتقسيم العراق إلى ثلاثة دويلات، ترسل من المرسل الخطأ للمستقبل الخطأ بالوسيلة الخطأ وفي التوقيت الخطأ وبالشكل الخطأ وكذلك بالمضمون الخطأ.. والأهم ألا يكون الرد العربي والإسلامي خاطئا.
إن هذا القرار الجمهوري الديمقراطي يفضح بشكل كاشف أهداف الغزو الأميركي للعراق الحقيقية وليست تلك المدعاة التي ثبت كذبها، ويفضح وبشكل كاشف أيضا أن العدوان الأنجلو أميركي الذي استهدف الاستيلاء على النفط في الأساس، ولتأمين إسرائيل بتدمير القوة العراقية العربية وجاء بتحريض من إسرائيل، استهدف أيضا تقسيم العراق منذ البداية مثلما يسعى الآن لإنضاج الظروف لتقسيم السودان والصومال ولبنان والبقية تأتي.
إنه السيناريو الأميركي الجديد لرسم خرائط الشرق العربي الإسلامي الكبير لاستكمال سيناريو تقسيم «سايكس - بيكو» لصالح إسرائيل، بعدوان أنجلو أميركي بقيادة أميركية وتبعية «بليرية» بريطانية ضد العراق في البداية، وفي النهاية بتحالف فرانكو أميركي ضد إيران ولبنان والسودان بقيادة أميركية وتبعية «ساركوزية» فرنسية، بعد نجاح أميركا بعد الحرب العالمية الثانية في وراثة الاستعمار البريطاني الفرنسي الذي كان هو الأول بعد الحرب العالمية الأولى.
إن ما نشهده من تحركات مشبوهة هو عودة لمحاولات تقسيم الأوطان بعد تقسيم الأمة، بعد ضرب آخر أشكال الوحدة الإسلامية بهزيمة تركيا في الحرب الأولى بافتعال تناقض مصطنع بين القومية والدين، بوضع البعد العروبي في مواجهة البعد الإسلامي من خلال «الثورة العربية الكبرى»، والبعد «الطوراني» في مواجهة العروبة والإسلام معا من خلال الثورة العلمانية الأتاتوركية في آسيا الصغرى .
إن ما يجري حاليا لاستكمال مؤامرة التقسيم الاستعمارية الكبرى هو محاولة لوضع المسلمين في مواجهة المسيحيين ليكسب اليهود، ووضع العرب في مواجهة الكرد ليخسر الطرفان معا وتكسب أميركا، أو في مواجهة الفرس ليخسر الطرفان معا وتكسب إسرائيل!
لقد حققت بريطانيا وحلفاؤها أهدافها بهزيمة الدولة العثمانية التي كان العرب من المحيط إلى الخليج جزءا منها، وبوعدها الزائف للشريف حسين فصلت العالم العربي عن العالم الإسلامي، وبعد القسمة الصغرى، جلس وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا «سايكس وبيكو» في العام 1916 لتنفيذ الهدف الاستعماري بالقسمة الكبرى بتمزيق الجسد العربي إلى أكثر من عشرين جزءا بين المنتصرين في هذه الحرب.
ثم جاءت الحلقة التالية في العام 1917 بإعلان الوعد المشؤوم بزرع (إسرائيل) في قلب الوطن العربي لإكمال مسلسل التقسيم، بهدف فصل المشرق العربي عن المغرب العربي، وتأسيس قاعدة عسكرية دائمة للقوى الاستعمارية العالمية، على الأرض العربية الفلسطينية التي تضم أقدس مقدسات المسلمين والمسيحيين، وبعد هذه الهزيمة، والخديعة، والتجزئة للأمة الإسلامية تحقق لقوى الاستعمار لأول مرة احتلال العالم العربي تحت لافتات زائفة للشرعية الدولية غير الشرعية الممثلة في قرارات من عصبة الأمم التي أنشأها المنتصرون في الحرب الأولى.
وبقيام إسرائيل كان من الطبيعي أن يتضامن العرب والمسلمون معا لمواجهة اغتصاب فلسطين، أو على الأقل لفرض سلام يقوم على العدل، يعيد الشعب الفلسطيني إلى أرضه المطرود منها، وبدلا من أن تكون إسرائيل عامل فصل بين المشرق والمغرب، كان الأولى أن تكون عامل توحيد بين العرب والمسلمين، باعتبار أن القضية الفلسطينية قضية قومية وقضية إسلامية، إلا أن سيطرة الاستعمار والسياسات التي اتبعها، عملت على ارتفاع الجدار العازل الوهمي، الفكري والنفسي، بين الوطن العربى المجزأ، والأمة الإسلامية المحاصرة..
والمطلوب الآن استراتيجية توحيد مقابلة لمشاريع التقسيم، بهدم الجدران السياسية والثقافية والمذهبية العازلة بين العربي والعربي والمسلم والمسلم والمسلم والعربي.