مشروع القرار الذي اتخذه مجلس الشيوخ الأميركي بتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات أحدها شيعي في الجنوب والآخر سني في الغرب والثالث كردي في الشمال مع وجود حكومة مركزية ضعيفة في بغداد تتولى مسؤولية أمن الحدود وإدارة عوائد النفط، والذي وافق عليه 75 عضواً مقابل اعتراض 23، إن هذا المشروع قد وحد الشارع العربي في العراق لأول مرة منذ الغزو الأميركي للبلاد في ابريل من العام 2003، وَخَلق إجماعاً وطنياً بين قواه المتنافرة يمكن البناء عليه والانطلاق منه لتطوير الوضع السياسي وإخراجه من جموده الذي يعاني منه.
ولم يقل تنديد رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي قوة من ذلك التنديد الذي أصدرته «هيئة علماء المسلمين بل ربما زاد عليه حدة، إذ صرح المالكي لقناة العراقية «بأن على المشرعين الأميركيين الوقوف مع العراق لدعم وحدته وسيادته بدل الدعوة لتقسيمه.
إن تقسيم العراق سيكون كارثة ليس بالنسبة له وحده، بل بالنسبة للمنطقة برمتها». وأدان ممثلو الأحزاب الرئيسية ذلك القرار، وذكر بيانهم المشترك الذي تلاه عزت الشاهبندر (ممثل القائمة العراقية التي يترأسها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي) في مؤتمر صحافي عقد في بغداد «إن هذا القرار بني على قراءة خاطئة وتقديرات غير واقعية لماضي العراق وحاضره ومستقبله. إنه يخالف كل قوانين المجتمع الدولي ومؤسساته الشرعية التي تحمي حقوق الشعوب في تقرير مصائرها وبناء مستقبلها والدفاع عن وحدتها وسيادتها».
وسارع طارق الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية وزعيم الحزب الإسلامي أكبر الأحزاب السنية إلى النجف طلباً للمصالحة الوطنية، فالتقى المرجع الشيعي الأعلى السيد على السيستاني، وهو أول لقاء بين الرجلين. وقد بارك السيستاني وثيقة الوحدة الوطنية التي اقترحها الهاشمي والتي تضمنت فيما تضمنت العفو عن الذين حملوا السلاح ضد الدولة وقوات التحالف شريطة انخراطهم في العملية السياسية.
وجاءت إشارات واضحة من الجوار الجغرافي لرفض مثل تلك المشاريع لعل أبرزها كان تصريح أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد لقناة العربية الفضائية، حيث أكد بأنه «لا يوجد أحد يقبل بتقسيم العراق«معتبراً أن فكرة التقسيم «خطر على المنطقة برمتها». ويبدو أن الإدراك يتعاظم في المنطقة من أسباب وعوامل الفرقة القائمة بالمجتمع العراقي.
وبالتالي نجاح عملية التقسيم وتحولها إلى حقيقة قانونية وسياسية بعد أن كانت تقتصر على تقسيم بحسب الأمر الواقع. ولعل أحد المصادر الرئيسية لهذا النزوع هو الأعمال الإرهابية (وليست عمليات المقاومة المشروعة) التي لا تفرق بين مدني وعسكري ولا بين أجنبي أو مواطن عراقي بريء والتي يكون منفذوها عادة قد قدموا من خارج الحدود العراقية.
فقد حذر مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ عبد الله آل الشيخ الشباب السعودي من الانخراط بتلك الأعمال بدعوى الجهاد في سبيل الله معتبراً أن هناك أطرافاً «مشبوهة «تحاول الإيقاع بهم. وقال إنه «ترتب على عصيان هؤلاء الشباب لولاتهم وعلمائهم العديد من المفاسد العظيمة».
والحق أن العمليات الانتحارية - بحسب الصنداى تايمز 7/10 ـ التي نفذت في العراق منذ الغزو الأميركي تفوق مجموع العمليات الانتحارية التي شهدها العالم طوال السنوات العشرين الماضية. وقد فجر 1300 انتحاري أنفسهم منذ ذلك التاريخ، وخلال الأشهر التسعة الماضية من هذه السنة، راح 4000 شخص ضحية لتلك الأعمال.
وهذه العمليات التي تقوم بها «القاعدة» أساساً، وتلك العمليات التي تقوم بها الميليشيات الشيعية بالذات بعد تفجير مرقد الإمامين بسامراء في فبراير من العام 2006 باتت تجبر الآلاف من العراقيين إما بالنزوح خارج بلدهم إلى الأقطار المجاورة على وجه الخصوص، أو النزوح الداخلي إلى المناطق التي ينتمون إليها طائفياً.
فحسب تقرير نشرته الأمم المتحدة في أوائل هذا العام ( البي بي سي 9/1 ) فإن العنف في العراق أدى إلى أكبر موجة نزوح في الشرق الأوسط منذ اغتصاب فلسطين في العام 1948، حيث إن واحداً من كل ثمانية عراقيين نزحوا عن ديارهم، ويعتقد أن مليوني شخص غادروا البلاد في حين نزح 7,1 مليون آخرين إلى مناطق غير مناطق سكناهم الأصلية داخل العراق.
ومنذ مدة أخذت توجهات الشارع السني بالتغير، فلم تعد «القاعدة» مرحباً بها كما في السابق، ولم تعد المناطق الغربية حاضنته المأمونة، مما أدى إلى ضربات قوية لهذا التنظيم وتصفية بعض قياداته البارزة. وتحاول القوات الأميركية تطبيق تجربة الأنبار، حيث تم تسليح العشائر لمحاربة «القاعدة» وحماية مناطقها، تحاول هذه القوات أن تطبق التجربة في محافظة ديالى رغم اختلاف التركيبة الطائفية للمحافظتين. فالأولى (الأنبار) يسودها السنة، حيث تم ترحيل الأقلية الشيعية منها منذ مدة طويلة، أما في ديالى فهي محافظة مختلطة.
وقد نجحت القوات الأميركية بتشكيل قوة عشائرية مختلطة قوامها 14 ألف شخص من أهل المنطقة (كما تقول جريدة الكرستيان سينس منيتور 2/10). وتثير عملية تسليح العشائر توتراً بين الحكومة العراقية والقيادة الأميركية، إذ ترى الحكومة بأن تلك العملية ستؤدي إلى تشكيل قوة خارجة عن سيطرة الحكومة، وبالتالي ستزيد من تفكك الدولة العراقية، في حين تراها القوات الأميركية خطوة لتحجيم «القاعدة» وغيرها من التنظيمات الإرهابية.
وبعيداً عن الأجواء الطائفية التي تثيرها «القاعدة» والميليشيات الشيعية المرتبطة بحرس الثورة الإيرانية، فإن هناك توجها قويا في الشارع العراقي نحو التعايش الطائفي، كما كان الوضع دوماً في العراق. فهناك رفض قاطع من سكان بغداد للجدران العازلة التي تبنيها القوات الأميركية بين أحيائها.
ولعل خروج مظاهرة كبيرة الأسبوع الماضي ـ في هذا الوضع الأمني المتردي ـ من حي الوشاش في غرب بغداد تندد بتلك الجدران لهو أكبر دليل على رفض الفرز الطائفي.
يبقى أن نقول إن ثمة أسس واقعية مشتركة يستطيع أن ينطلق منها السياسيون من عرب العراق والتنظيمات الشعبية التي يمثلونها لانتشال الوضع المتردي في العراق، فهؤلاء لم يناضلوا طويلاً ضد ديكتاتورية صدام حسين ليخلقوا عراقاً ممزقاً ومتناحراً، بل لقد ناضل هؤلاء طويلاً من أجل عراق ديمقراطي، يتمتع أهله بخيراته وينعمون كما جيرانهم برغد من العيش. ولعل إجماعهم على رفض التقسيم خير بداية لتحقيق ذلك الحلم.
كاتب كويتي
