يحتفل المسلمون في أقطارنا العربية والإسلامية، والأقليات المسلمة في مختلف دول العالم بعيد الفطر المبارك، أعاده الله على أمتنا بالخير واليمن والبركات، ولسان دعائنا يبتهل بأن يحل المقبل من الأعياد وشعوبنا ودولنا في حال من القوة والنهوض ترفع قدرها بين الأمم، تعيد لها مجدها حتى لا يظل من أحاديث الماضي فقط.
ويجدر بنا أن نتذكر معاً بعضاً من قبس ودروس العيد وما رسخه شهر رمضان الفضيل في النفوس من قيم، دون تخل عن تمتع المسلمين ببهجة العيد والتأسي بسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، على النحو الذي أوضحه خطيب وإمام المسجد الحرام في مكة المكرمة وحثه المسلمين على التحلي بالتفاؤل وإحياء فرحة العيد وبهجته تأسياً بسنة الرسول الأكرم، وألا يركنوا إلى دعوات البعض الذين يرفضون الاحتفال بالعيد والمسجد الأقصى تحت دنس الاحتلال الإسرائيلي. معتبراً أن الاحتفال بالعيد لا يتعارض مع التضرع والعمل على فك أسر الأقصى وتحريره.
فقد حثت خطبة العيد في المسجد الحرام المسلمين على الاحتفال والفرح اتباعا ل«فرح الرسول المصطفى وإذنه لأهله بالفرحة في العيد باللهو واللعب ما لا يكون في غيره، فأعياد أهل الإسلام أعياد فرح ومرح ونفعل كما تفعل الأمم الأخرى في أعيادها من إظهار السرور واللعب مما ليس محظوراً.
وانتقد خطيب الحرم المكي ما ينهجه بعض الأئمة والوعاظ في عصرنا حين يجعلون الأعياد مواسم تفتح الجراحات والتباكي على مآسي المسلمين ومصائبهم، وقولهم: «لا يحق للأمة أن تفرح بالعيد وهي تقتل وتهان وكيف تفرح والأقصى بيد يهود والأطفال ييتمون والأراضي تنتهب والأعداء متسلطين وبأي حال عدت يا عيد؟».
والحاصل أن بهجة الأعياد تكتمل باستعادة الأمة لمجدها وقوتها وبهاء حضارتها، واستعادة دور الفاعل في صنع الحضارة الإنسانية، ونفخ الروح في المنتج الغربي الذي سلب الإنسانية روحها وجعلها خاضعة لقانون المادة، وأصابها بالخواء ونشر العدمية والعبثية في نفوس أبناء الجيل الحالي، الذي أصبح فريسة سهلة وطيعة لكل الأمراض الاجتماعية والأخلاقية الفتاكة، لكن لا ينبغي أن يصب نقد خواء الحضارة الغربية في طور العولمة و«الأمركة» الحالي في قناة تبرير شطط الغلاة والمتطرفين والظلاميين والتكفيريين الذين ضلوا الطريق، وانحرفوا عن صراط الإسلام المستقيم. وغيبوا روحه السمحة وطبيعته الوسطية التي تحض على الاعتدال وتنبذ التطرف وترفض الإفراط والتفريط.
والشاهد أن هناك دروساً من قبس العيد يجب أن نحرص عليها، ونطورها ونفعلها في حياتنا اليومية، ولا نتركها تتبدد في فضاء الطقوس الموسمية. وأول هذه الدروس تكريس وترسيخ ثقافة المصالحة والحوار بين أبناء وطننا، بدلا من التناحر والتقاتل. بموازاة نشر منهج الحوار الحضاري مع الآخر وبقية الثقافات والحضارات على قاعدة أن الإسلام دين عالمي يخاطب الإنسانية دون تفرقة بين عرق أو جنس، فضلا عن احترامه لكل الديانات والملل والمذاهب.
ثاني هذه الدروس، ضرورة التحرك الشامل والمنسق وفق آليات مؤسسية لتعميم قاعدة حرمة إهدار الدم المسلم في أي خلافات أو صراعات حزبية وسياسية. على قاعدة أن ديننا يجعل قتل نفس واحدة بدون ذنب، أو حكم من القضاء أو أولي الأمر بمثابة قتل الإنسانية كلها.
ثالث هذه الدروس، الاتفاق على منهج حضاري أرساه الإسلام في فجره الوضيء، يتبنى الدعوة بالحسنى والحوار العقلاني، وينبذ العنف أو الإكراه في الدين، ويحترم الرأي الآخر، ويحرم تكفير المخالفين إلا من يجاهر بكفر بين لا شك فيه،وبالتالي يجب أن تتوقف كل تلك الممارسات المسيئة للإسلام والتي يرتكبها بعض من المنتمين ظلماً للدعاة، وهم غلاة ينفرون من الإسلام ويصورونه زورا على انه دين للعنف. ويقدمون لأعدائه مبررات للحملة عليه وتشويه صورته.
على أن أهم دروس قبس العيد تفرض على قادة الأمة وحكمائها أن يتنادوا لتحقيق مصالحات ضرورية في فلسطين والعراق والسودان ولبنان. حتى تكتمل بالفرحة وتتهيأ الأجواء لاستعادة قوة الأمة.
