مجدداً، تقوم إدارة بوش بخداع الغالبية الديمقراطية العاجزة في الكونغرس بحملها على التعجيل في تحويل جزء مهم من تشريع إلى قانون من دون تفكير أو نقاش جاد حول المضامين.

على الرغم من أن الكونغرس أقر في أغسطس الماضي تمديداً مؤقتاً لقانون مراقبة الاستخبارات الخارجية يجعله سارياً حتى فبراير، إلا أن الإدارة عادت لتطالب بالتمرير الفوري لقانون دائم يجيز للحكومة التنصت على جميع الاتصالات الخاصة.

كما أنهم طلبوا بإجراء بعض «التحسينات» على القانون، بما في ذلك تنازل عن المسؤولية بأثر رجعي لشركات الاتصالات الكبرى التي منحت الحكومة وصولاً من دون قيود أو تفويضات إلى المكالمات الهاتفية واتصالات البريد الإلكتروني انتهاكاً للقانون الحالي.

أما «التحسينات» الأخرى التي يريدها البيت الأبيض، والتي يقول رؤساء الاستخبارات إنهم بحاجة إليها، فستوسع سلطة الفرع التنفيذي المنتفخة أصلاً.

يأتي هذا في الوقت الذي كشف فيه أحد أعضاء الكونغرس مؤخراً عن أن التمديد المؤقت لقانون التنصت قد تم تمريره في أغسطس عندما قام مسؤولون إداريون بتشتيت المشرعين من خلال الكشف عن معلومات سرية عن مؤامرة إرهابية مزعومة لتفجير الكابيتول هيل. الأمر الذي لم يتحقق على نحو يثير الذهول، كانت تلك حيلة ماهرة. ما الذي سيفعلونه لترويع الكونغرس هذه المرة؟

هل سيهددون بإرسال عناوين منازل جميع أعضاء الكونغرس الذين يعارضونهم؟، وبالتحديد متى يمكننا أن نتوقع أن يصحو الشخصان اللذان يديران شؤون الكونغرس هذه الأيام ـ نانسي بيلوسي المتحدثة الرسمية باسم مجلس النواب وهاري ريد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ـ على الحقيقة القائلة إن جورج بوش وديك تشيني يعتبرونهما آلة كمان يعزفون عليها؟

حاول البيت الأبيض وضع العراقيل أمام الكونغرس نفسه في مطالبته بالحصول على معلومات حول الانتهاكات المعروفة لسلطات المراقبة الجديدة. وقد ضمن لنفسه، من دون تحدٍ، كل أنواع الصلاحيات التي سترعب الرجال الذين أضافوا الضوابط والموازنات إلى دستورنا للحيلولة دون بروز قوة بل قيود كتلك التي تكون لملك أو دكتاتور.

ربما فهم البيت الأبيض تحت رئاسة بوش كل شيء لمسه بطريقة خطأ، ولكنه رفع من مستوى الاتجار بالخوف إلى فن جميل. وقد لف نفسه بعباءة تخفي اسمها الأمن القومي والتي تلغي كل الأسئلة، وتعيق كل النقاشات وتحجب الخطايا العديدة، وقد خذلت الفروع المتساوية للحكومة، التي أعدت لجعل الرئيس التنفيذي الجشع للسلطة تحت السيطرة، خذلت الشعب الأميركي على امتداد قرابة سبعة أعوام من إدارة بوش. عار على الكونغرس وعار على النظام القضائي تقصيرهما في أداء واجبهما وفشلهما في حماية الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الأميركي بموجب الدستور.

وعار كذلك على الشعب الأميركي، الذي كان منهمكاً في التسوق، ومنهمكاً في الحفلات بينما كانت روما تحترق، بحيث لم يهتم بالتآكل المستمر لحقوقه بالدرجة ذاتها التي يهتم بها لأمر بريتني سبيرز وليندسي لوهان وباريس هيلتون أو أو.جي سيبمسون.

وعار على معظم أجهزة الإعلام لقيامها بترديد الكثير من تأكيدات الإدارة بصورة منتظمة عن العراق، وإيران، والإرهاب وهلم جرا من دون أن تكلف نفسها عناء الاستفسار عما إذا كانت صحيحة من عدمه. في غضون ذلك، فإن الرجال الذين أصبح عجزهم أسطورياً، الرجال الذين يبدو أنهم لا يتمتعون بقواعد السلوك المحترم، ولا حتى بأدنى درجات النوايا الحسنة، يجرؤون على أن يطالبوا لأنفسهم بعباءة أبراهام لينكولن وهاري ترومان.

هل كثيرٌ أن نطالب الأميركيين بأن يبدؤوا بالاهتمام بكل ما تمت سرقته منهم؟ بالإخفاقات المذهلة التي منيت بها الإدارة والحكومة الاتحادية برمتها؟ برئيس يوشك على المطالبة بمبلغ 200 مليار دولار أخرى ليمول حربه التي اختارها في العراق لعام آخر ولكنه يرفض أن ينفق قرشاً آخر للعناية بالأطفال المرضى؟

هل كثير أن نطالبهم بالاهتمام بالإدارات والوكالات التنظيمية الحكومية التي يديرها المأجورون الجمهوريون وأدوات الصناعة الذين لا يقومون بأعمالهم فحسب وإنما يعيقون كل المحاولات الرامية إلى التحقيق في سرقة المليارات من الدولارات من أموال دافعي الضرائب من قبل المقربين من الجمهوريين، والمتبرعين لهم والمتعاقدين معهم؟

قال مارك أنتوني شخصية شكسبير في تأبينه ليوليوس قيصر: «إن الشر الذي يفتعله الرجال يبقى بعدهم».

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»