خيم الحذر على أجواء الإعداد لزيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى إيران، بالرغم من أنها تأتي في إطار انعقاد قمة الدول المطلة على حوض بحر قزوين ، والتي طال انتظارها، وتعثر الأعداد لها بسبب الخلافات بين هذه الدول حول الصياغة القانونية للبحر وتقسيم ثرواته. ومازالت آفاق توقيع الدول المطلة على بحر قزوين على الاتفاقية تحدد الوضع القانوني للبحر ومبادئ استخدام موارده الطبيعية، بما فيها موارد الطاقة غامضة.

ولا تبشر بوصول الدول المطلة على حوض البحر لأية اتفاق كما كان الحال في تسعينات القرن الماضي. وقد كشفت اللقاءات السابقة أن المشكلة الرئيسية التي تعيق تحقيق إجماع الدول المطلة على بحر قزوين، تتعلق بكيفية تقسيم قاع البحر وسطحه بين الدول المذكورة. وتخرج عن أجماع الدول المطلة على البحر حول سبل تقسيم قاع البحر مما يسمى ب«خط الوسط المعدل» إلى الحدود الجغرافية على الشواطئ مع ترك سطح البحر للاستخدام المشترك إيران فقط.

بينما ترفض إيران(التي من المقرر أن تحصل 13 % من القاع بحكم موقعها الجغرافي على البحر)هذا التقسيم وتطالب بترك القاع والسطح للاستخدام المشترك، أو تقسيم كل شيء بالتساوي على أساس قطاعات وطنية لكل دولة من الدول الست.

وتجدر الإشارة إلى انه خلال المرحلة السوفييتية كانت الصفة القانونية للبحر قد حددت بموجب المعاهدة السوفييتية- الإيرانية عام 1921 و معاهدة عام 1940، إلا أن انهيار الاتحاد السوفييتي أدى لوجود ست دول ذات سيادة يجب أن تشارك في الاستفادة من حوض البحر، وبات من الضروري الاتفاق على صفة البحر القانونية وتقسيم ثرواته بين روسيا وإيران وكازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان وتركمانيا، وإذا كان الاتفاق بين الدول الست مازال متعثرا ويعاني من خلافات حادة، فإن الصراع على نقل النفط والغاز أكثر حدة واتساعا ويمكن القول بأنه اخذ طابعا داميا في الشيشان وداغستان، وصداميا في جورجيا.

خاصة أن تبين أن احتياطي النفط في حوض قزوين وفق تقديرات وزارة الطاقة الأميركية يصل إلى أكثر من 200 مليار برميل أي ما يعادل 32 مليار طن، وتشير التقديرات الأولية إلى أن منابع النفط في حوض بحر قزوين يمكن أن تقوم بإنتاج 200 مليون طن سنويا، اثير تساؤل حول سبل نقل هذا النفط و إلى أين؟

ويصعب القول ان قمة دول حوض بحر قزوين التي يحرص بوتين على المشاركة فيها يمكن أن تحقق أي نتائج، ليس بسبب تعقيد الموقف، وإنما بسبب عدم وجود أي مشاورات أو اتفاقات أولية يمكن أن تمهد لتوصل قادة الدول الست إلى تسوية ما، وتجدر الإشارة إلى أن هذه القمة قد تم تأجيلها أكثر من مرة، ثم تقرر عقدها في طهران في ظل احتدام التوتر الدولي حول البرنامج النووي الإيراني.

ويبدو واضحا أن انعقاد هذه القمة في إيران، بمشاركة رؤساء خمس دول منها روسيا، في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن توجيه ضربة عسكرية أميركية ضد طهران، يعني بالضرورة رسالة إلى الغرب بالتريث وعدم الاقدام على مغامرة عسكرية ضد إيران. لأن هذه القمة ببساطة تنسف جهود الغرب في عزل إيران دوليا.

إلا أن هذا لا يعني مساندة موسكو لسياسات طهران وإصرارها على المضي قدما في مشاريع تخصيب اليورانيوم، لأن موسكو مازالت لا ترغب في رؤية صواريخ نووية بالقرب من حدودها.

بل إن زيارة بوتين إلى طهران والتي ستتضمن لقاءات مع الرئيس الإيراني أحمدي نجادي سبقتها لقاءات مع الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي والمستشارة الألمانية ميركيل، عبرت عن موقف الغرب الرافض لتأجيل بحث مشروع القرار الجديد القاضي بتشديد العقوبات، بحجة رفض إيران إيقاف العمل على تخصيب اليورانيوم. فيما ترفض روسيا والصين مناقشة قرار فرض عقوبات جديدة قبل عرض تقرير للوكالة الدولية الخاص بالملف النووي الإيراني، وذلك انطلاقا من قناعة البلدين بأن العقوبات الجديدة ضد إيران ستؤدي لفشل جهود الوكالة الرامية إلى تسوية المشكلة الإيرانية.

ومما لاشك فيه أن الولايات المتحدة تتابع بحذر زيارة بوتين إلى طهران ليس فقط فيما تحمله من رسائل سياسية إلى الغرب، وإنما أيضا لرصد ردود الفعل الدولية، فمازال البيت الأبيض محتفظا بإمكانية التراجع عن تصعيد التوتر، بل والتفاهم مع روسيا، وقد أعلن نائب وزيرة الخارجية الأميركية نيكولاس بيرنس أن الخلافات بين الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن تحمل «طابعا تكتيكيا»، ما يعني أن واشنطن على استعداد لمناقشة حلول وسط بينها وبين موسكو والصين.

بعبارة أخرى يحتاج البيت الأبيض بزعامة الجمهوريين إلى خضوع إيراني للشروط الأميركية، أو سيلجأ لاستعراض عضلاته عسكريا. وإدراك الكرملين لهذه الحقيقة، كان الدافع لحرص بوتين على زيارة طهران، لكي يتم التوصل إلى تسوية تجنب المنطقة ويلات مغامرة عسكرية حمقاء على غرار عمليات بوش العسكرية ضد العراق، والتي أسفرت عن انهيار بلد متعدد القوميات كان متماسكا ومستقراً.

إلا أن هذه التطورات لا تنفي أمكانية لجوء «الثلاثي الأوروبي» (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا) بالتنسيق مع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات ضد إيران من جانب الاتحاد الأوروبي، بعد أن كان رد لافروف قاسيا على دعوة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بتشديد العقوبات ضد إيران.

وقد عكس تصريح ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة زالماي خليل الذي أعتبر فيه أن التعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يمكن أن يعتبر«درعا واقية من عقوبات جديدة»بسبب تجاهل طهران لقراري لمجلس الأمن السابقين، أمكانية استخدام الغرب لهذا الأجراء كخطوة إجبارية في حال إصرار موسكو وبكين على تأجيل قرار مجلس الأمن بتشديد العقوبات، وكخطوة تمهيدية تفتح الباب أمام واشنطن إلى استخدام القوة ضد إيران.

ومما لاشك فيه أن بوتين خلال زيارته إلى طهران سيبحث مع نظيره الإيراني استكمال أعمال تشييد محطة (بوشهر) النووية، بعد أن جمدت روسيا استكمال المرحلة الأخيرة من العمل بذريعة عدم وفاء الإيرانيين بالتزاماتهم المادية، ما دفع إلى الاعتقاد بأن موسكو قررت عدم توريد الوقود النووي إلى الإيرانيين قبل أن تتم تسوية المشكلة النووية الإيرانية نهائياً.

ويسيطر اعتقاد على الأوساط السياسية الروسية أن زيارة بوتين إلى طهران يمكن أن تتوصل إلى تعهدات جديدة من القيادة الإيرانية بتنفيذ تعهداتها وفق مذكرة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ما يمكن أن يحقق الانفراج في الوضع الدولي ويضعف احتمالات لجوء واشنطن لتوجيه ضربة عسكرية وتفجير منطقة الخليج مرة أخرى، وتوريط دولها في حرب لن تحقق سوى الدمار.

مركز دراسات الطاقة روسيا