المؤتمر الدولي للسلام المقرر عقده بالولايات المتحدة الأميركية الشهر المقبل يثير الكثير من التساؤلات، ليس فقط بالنسبة للفلسطينيين، ولكن لكل مراقب يحاول فهم هذه الخطوة وتداعياتها. واضح من البداية أن الآمال المعقودة على هذا المؤتمر ليست كبيرة لأسباب تبدوا في مجملها منطقية، وذلك باعتراف الأطراف الفاعلة ذاتها.
ومع ذلك تصر الإدارة الأميركية على عقد هذا الملتقى وترسل وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى المنطقة العربية لإقناع قادتها بحضوره. ويتساءل البعض عن مغزى الإصرار الأميركي على عقد المؤتمر في هذا الوقت تحديدا رغم أن الفرص الكثيرة كانت مواتية أمام الرئيس بوش لترجمة رؤيته حول الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية.
ويذهب البعض إلى القول إن الرئيس بوش يريد أن ينهي تاريخه بالبيت الأبيض بتحقيق انجاز ولو شكلي على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية رغم إدراكه التام أن ذلك لن يكون سهلا.
وبغض النظر عن دوافع الرئيس بوش وإدارته، وارتباط ذلك بوضع القوات الأميركية الحرج بالعراق، أو علاقته بالتوتر الإيراني الأميركي بسبب برنامج طهران النووي، فإن الأهم هو ما سيترتب على هذا المؤتمر من نتائج.
فالمؤتمر سيناقش العديد من القضايا والأطروحات الخاصة بمسار التسوية وكيفية الوصول إليها، خاصة فيما يتعلق بقضايا الوضع النهائي مثل القدس واللاجئين وحق العودة.
وبعبارة أكثر وضوحا، سيناقش المؤتمر هذه القضايا بمرجعيات مختلفة، عبر اقتراحات مشوهة وبعيدة عن المرجعيات التي انطلقت من مؤتمر مدريد وماتلاه من تفاهمات ومبادرات واتفاقات على مستويات مختلفة.
وفي هذا الإطار يرصد المراقبون مقترحات افيغدور ليبرمان وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي التي تحدث فيها عن انسحاب إسرائيلي جزئي من أحياء بالقدس الشرقية في حال التوصل لسلام مع الفلسطينيين، ودعوة حاييم رامون الرجل الثاني في حكومة اولمرت لتقسيم المدينة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
أما على الجانب الأميركي، فإن الوضع ليس أفضل حالا، فقد تقدم خمسة من كبار المسؤولين السابقين في وزارتي الدفاع والخارجية، باقتراح يقوم على اقتسام القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مقابل التنازل عن حق العودة.
الاقتراحات الأميركية والإسرائيلية تعني ببساطة أمرين خطيرين الأول تبديد سنوات طويلة من العمل والجهد منذ مؤتمر مدريد للسلام، والبدء من جديد من نقطة الصفر، لأن المطروح يخالف كل صيغ الحل التي تم بحثها خلال هذه السنوات وفي مقدمتها خطة خارطة الطريق، والتي أكدت أن الدولة الفلسطينية ستقام ضمن حدود الرابع من يونيو عام 1967، وأن العملية السلمية تسير وفق قرارات الشرعية الدولية.
أما الأمر الثاني فيتمثل في وضع مرجعيات جديدة لعملية السلام تقوم على وجهة النظر الإسرائيلية، وتختلف عن المرجعيات الأصلية لهذه العملية، وبالتالي تنحرف بها عن المسار والهدف الذي قامت من أجله. يرى المراقبون أن مخاطر ( المرجعيات الجديدة ) سيدفع ثمنها الفلسطينيون دون غيرهم، خاصة أنهم في وضع ممزق، ولم يرتقوا بعد لأبعاد وخطورة المرحلة الحالية، الأمر الذي ساعد الإسرائيليين والأميركيين على طرح مثل هذه المقترحات التي تضر بالقضية الفلسطينية.
فالفلسطينيون مطالبون اليوم قبل غيرهم بترتيب بيتهم الداخلي وتوحيد كلمتهم لإجهاض المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تقنين السيطرة على القدس واقتناص الاعتراف الدولي بذلك. أما عواصمنا العربية التي ستدق أبوابها رايس للمشاركة في هذا المؤتمر، فإنها مطالبة بتحقيق رؤية مشتركة تؤكد من خلالها تمسكها بمرجعيات السلام وقرارات الشرعية الدولية وترفض الانصياع للمطالب الإسرائيلية.
ومع وحدة الصف الفلسطيني، واتفاق العواصم العربية على رؤية مشتركة، فإن الأمم المتحدة مطالبة بألا تتحول إلى أداة في يد الولايات المتحدة الأميركية وتقف عاجزة أو مشلولة أمام خططها، وإلا فقد فقدت مبرر وجودها.