استثار النائب في مجلس الأمة الكويتي وليد الطبطبائي ردود فعل متباينة حيال رسالته التي وجهها في 27 سبتمبر الماضي والمنشورة في صحيفة الوطن الكويتية إلى زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. (راجع: رسالة إلى الشيخ أسامة بن لادن، وليد الطبطبائي - الوطن الكويتية 27 سبتمبر 2007).

ومن بين ردود فعل عديدة مستنكرة، كتب احمد الصراف في صحيفة «القبس» الكويتية مقالا هجائيا في النائب الطبطبائي وزعيم تنظيم القاعدة ولم ير في مقال يفيض بالنقد المرير بعنوان «النائب والمطارد»، لم ير الصراف في رسالة الطبطبائي ما يستحق التوقف. (راجع: النائب والمطارد، احمد الصراف ـ صحيفة القبس 4 أكتوبر 2007).

على العكس من كل ردود الفعل التي انتقدت الطبطبائي فإنني أرى ان هذه الرسالة هي أول نقد صريح وواضح دون مواربة لأكثر الأدوار خطورة من الناحية التاريخية الذي يقوم به تنظيم القاعدة وزعيمه منذ أحداث 11 سبتمبر 2001.

أما مرجع الأهمية في ما ذهب إليه الطبطبائي في رسالته إلى زعيم تنظيم القاعدة، فهي أنها صادرة من إسلامي عتيق ومعروف لا يمكن ان يشكك احد في توجهاته ولا في إيمانه الديني. وهي في النهاية تلتقي مع انتقادات مبكرة طرحت مرارا دون جدوى لكل تحركات تنظيم القاعدة وأدواره الخطيرة. وبالنسبة لي، كان ذلك واضحا منذ 11 سبتمبر نفسه وتوالي ردود الفعل التي أعقبت ذلك الحدث.

فحركة تنظيم القاعدة وتصرفاته وأفعاله وعملياته كانت في المحصلة النهائية تصب في صالح ما تخطط له الولايات المتحدة. وبتفسير مترفق، كان يمكن رد هذا إلى سذاجة سياسية، لكن أن يستمر هذا الاتساق إلى سنوات لاحقة وتصبح السياسات الأميركية وتحركات ومخططات وعمليات تنظيم القاعدة ورسائل قادته لا تفعل سوى ترسيخ هذا التلازم، فان الأمر يتعدى بالتأكيد تفسير السذاجة السياسية. اسمعوا النائب وليد الطبطبائي وهو يشخص هذا التلازم بدقة نادرة من قبل احد الأقطاب الراسخين للتيار الإسلامي. يقول الطبطبائي في رسالته «®.

كيف يصلح أن تدعو الشعب الأميركي للإسلام وأنت تعترف بجرأة كبيرة بانك وراء قتل الآلاف منهم في أحداث 11 سبتمبر 2001، الا تعتقد ويعتقد كل عاقل بان هذا تنفير لهم عن الإسلام؟! فأنت أما أن تدعوهم للإسلام بالترغيب وألطف العبارة، واما ان تحاربهم وتقاتلهم ولكن أن تعلن الحرب عليهم وتقاتلهم وتدعوهم للإسلام في الوقت نفسه فهذان الأمران لا يجتمعان بل يزيد من حقدهم على المسلمين وكراهيتهم للإسلام ونفورهم منه».

تسلط الرسالة على ما خرس عنه الكثيرون عن الدور البالغ الاذية الذي لعبه تنظيم القاعدة في العراق، وهو دور اقل ما يقال عنه انه أفضى في احد نتائجه المدمرة إلى تكريس الحرب الأهلية إلى الحد الذي بات معه ممكنا تسويق مخططات تقسيم العراق. (راجع مقالنا: «هكذا وصلنا إلى الهدف المطلوب في العراق» - البيان، 29 سبتمبر 2007).

والآن، يقدم لنا اسلامي بارز وعتيد مثل السيد الطبطبائي استدلالا عقليا حول النتائج المدمرة لنشاط تنظيم القاعدة في العراق، دون ان يكون بالإمكان ان يتهم بالانحياز او يتم التشكيك في إيمانه ودوافعه. فهو يقول في رسالته «الا تعتقد ويعتقد العقلاء أن ما فعله ما يسمى بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين من خلط الجهاد ضد الاحتلال بعمليات الخطف والذبح والتفجير في الأماكن العامة واستهداف دور العبادة والمدنيين من الشيعة والسنة على السواء بل حتى أئمة الجوامع والخطباء لم يسلموا من أفعال المحسوبين على تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين..

وقتل عدد من رموز أهل السنة على يدهم من أمثال الدكتور الراوي وغيره.. وقد أدت مثل هذه العمليات التي استهدفت المدنيين إلى تشويه صورة الجهاد والمقاومة في العراق ضد الاحتلال والى تأليب الناس على المجاهدين الذين يجاهدون قوات الاحتلال مباشرة».

وفي مثال شاخص على هذا التشويه، تستدعي ذاكرتي ما جرى في شهر مايو من العام 2003 عندما كشفت الصحافة الأميركية للمرة الأولى عن فضيحة سجن «ابوغريب». فرد الفعل الأول والمباشر من زعيم تنظيم القاعدة كان اعلانه عن مكافآت بالذهب والفضة لمن يقتل مبعوث الامم المتحدة وقتذاك الأخضر الإبراهيمي وكأن فضيحة ابوغريب وهي اكبر إدانة أخلاقية للاحتلال الأميركي لا تعنيه تماما.

وبعد أيام روع العالم بمشاهد ذلك الشريط المقزز على شبكة الانترنت الذي نسب إلى الزرقاوي وهو يذبح بدم بارد الرهينة الأميركي نيكولاس بيرغ. ان رسالة الطبطبائي حركها التأمل والاستدلال العقلي وهنا أهميتها الكبرى، انها اول نقد علني لهذه السياسة العمياء التي يفرضها تنظيم القاعدة على العرب والمسلمين ولم تأت الا بالكوارث.

يستحق الطبطبائي التحية وهو يشد انتباه جمهور غارق في مشاعر اليأس ولا تشده سوى مشاعر إعجاب خفي بالعمليات المنسوبة لتنظيم القاعدة دون حسبان نتائجها. والطبطبائي واضح ومباشر في حساب النتائج بل الكلفة الباهظة لهذا العماء غير المبرر حيث يحصرها في رسالته: «اضررتم بالجهود المبذولة لتسريع خروج الجيش الأميركي من العراق..

تنفير من الإسلام.. تشويه صورة الجهاد والمقاومة في العراق ضد الاحتلال والى تأليب الناس على المجاهدين الذين يجاهدون قوات الاحتلال مباشرة.. ان إحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها أدت بشكل مباشر وبغير مباشر الى ضياع أفغانستان وضياع العراق، واستفراد إسرائيل بالفلسطينيين وإجهاض الانتفاضة المباركة والتي كانت في أوج قمتها قبيل الأحداث، ولم تعد أحوال الأمة كما كانت عليه قبل هذه الأحداث!».

لا نحتاج إلى أكثر من المنطق والاستدلال العقلي لكي نعطي أنفسنا شيئا من القدرة على إصدار الأحكام الصحيحة. فما يجري منذ 11 سبتمبر لا يفعل سوى أن يصادر منا هذه القدرة فحسب لان العدوين المفترضين، اي الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة لا يفعلان سوى شن الحرب على العقل والمنطق قبل كل شيء.

كاتب بحريني