ما هي رؤية السيدة بنازير بوتو للتغيير السياسي في باكستان؟
كقاعدة عامة تحرص القيادات السياسية في العالم الثالث عادة على أن ما يقال على الصعيد الخارجي لا ينبغي أن يقال على الصعيد الداخلي.
إقتداءً بهذه القاعدة نشرت زعيمة المعارضة الباكستانية السيدة بوتو مقالة في صحيفة لندنية شرحت من خلالها بغير قليل من التفصيل الأجندة السياسية التي تناضل من أجلها.
من منفاها في العاصمة البريطانية ظلت السيدة بوتو تبعث برسائل إعلامية إلى الشارع الباكستاني ينحصر مضمونها في المطالبة باستعادة النظام الديمقراطي من دون أن تتعرض لأجندة تفصيلية. لكنها في مقالتها الموجهة إلى الرأي العام الغربي ـ وخاصة الرأي العام الأميركي ـ تضع نقاطاً كثيرة على حروف كثيرة في صراحة مدهشة.
في مطلع المقالة تعلن السيدة بوتو بوصفها رئيسة «حزب الشعب الباكستاني» المعارض أنها ستعود إلى باكستان يوم 18 أكتوبر الجاري «لإحداث تغيير في بلدي».
ومن دون لف أو دوران تكشف السيدة بوتو في الفقرة التالية طبيعة هذا «التغيير». فالقضية الأساسية في رؤيتها هي «صراع الحداثة في مقابل التطرف». وبينما لا تأتي على ذكر ما يطلق عليه «الحرب الأميركية على الإرهاب» فإن السياق العام للمقالة يثبت أن ما تقصد إليه زعيمة المعارضة هو أن «التطرف» و«الإرهاب» كلمتان متطابقتان. وهذا ما يشي به هجومها على الجماعات الإسلامية ليس في باكستان وحدها بل في كل بلدان ووسط وجنوب آسيا.
تقول السيدة بوتو إنه خلال الستين عاماً الأخيرة ـ عمر الدولة الباكستانية المستقلة ـ «لم يكن المتطرفون الدينيون أبداً مكوناً بارزاً في الوعي السياسي الباكستاني».
السيدة بوتو تعتزم إذاً العودة إلى البلاد من أجل قيادة حرب ضد المنظمات الإسلامية الراديكالية داخل باكستان كمرحلة أولى ومن ثم تتحول باكستان نفسها إلى قاعدة لنشر هذه الحرب لتشمل أفغانستان كمرحلة ثانية ودول وسط وجنوب آسيا كافة كمرحلة ثالثة.
ما هو إذاً الفارق الجوهري بين السيدة بوتو والجنرال برويز مشرف؟
لا يوجد فارق جوهري ابتداءً. وإن كان هناك فارق ثانوي فهو أن السيدة بوتو بمطالبتها بمشاركة حزبها في السلطة القائمة إنما تهدف إلى إعطاء «الحرب على الإرهاب» غطاء «شرعياً» مدنياً.
هذه هي نقطة الالتقاء بين السيدة بوتو والجنرال مشرف وإدارة بوش.
السيدة بوتو تدرك تمام الإدراك أن الإدارة الأميركية لا ترغب مطلقاً في التفريط بالجنرال وبقائه على رأس مؤسسة عسكرية متفرغة للحرب على المنظمات الإسلامية في باكستان و«طالبان» و«القاعدة» في أفغانستان. ولذا فإنها تعرض نفسها وحزبها على واشنطن من وجه آخر. فهي تقول في مقالتها المنشورة إن التطورات الأخيرة أظهرت أن الجيش الباكستاني لا يمكنه مواصلة هذه الحرب بمفرده ـ أي أنه يحتاج إلى غطاء شعبي.
الوضع الأمثل من وجهة نظر واشنطن هو أن يتحقق تحالف سلطوي بين مشرف والسيدة بوتو يواصل الجيش بقيادة مشرف بموجبه القتال في منطقة القبائل الباكستانية على الحدود مع أفغانستان، بينما يلعب حزب بوتو دور الترويج الشعبي للحرب.
السيدة بوتو لا تعترض على هذا الترتيب من حيث المبدأ. فهي تتفاوض مع مشرف وإدارة بوش فقط على التفاصيل بأمل أن يكون دور حزبها في السلطة أقوى.
في هذه الأثناء وإلى أن تنتهي المساومات بين الجنرال وحزب الشعب برعاية أميركية ستواصل السيدة بوتو مخاطبة الشعب الباكستاني بأنها تناضل ضد الدكتاتورية والاستبداد وتطالب باستعادة الديمقراطية.