ذهبت مؤخرا للتسوق في مسقط رأسي، وهي بلدة ريفية تلقى فيها كل أعضاء أسرتي تعليمهم منذ عام 1896. وبلا استثناء أتم كل أفراد عائلتي على مدار ثلاثة أجيال، سواء أكانوا مزارعين أو ربات بيوت أو عُمال أو رجال أعمال أو كتاب أو محامين أو معلمين ـ أتموا جميعا تعليمهم حتى الصف الثاني عشر على الأقل، ولكن بعد أن فرغت من حلاقة شعري عند أحدهم، وجدت أن الصبي الموجود على الصندوق والذي كان في العشرين من عمره، لا يستطيع إحصاء باقي المبلغ الذي من المفترض أن يعيده لي بعد دفع الحساب. وفي اليوم التالي.
وفي أحد متاجر بيع الأجهزة الإلكترونية، وجدت عاملا لا يستطيع حتى قراءة جمل بسيطة باللغة الإنجليزية. وبعد ذلك استمعت لنقاش دار بين زوجين حول ثمن أحد أنواع اللحوم، حيث لم يستطيعا حساب القيمة الحقيقية لرطل اللحم، وفيما يهل علينا عام دراسي جديد، فإنني أجدها فرصة لمناقشة أسباب هذا الجهل المتفشي في المجتمع الأميركي.
إن مرشحي الرئاسة الأميركية يشعرون بخطورة الوضع ويتعرضون في نقاشاتهم للوضع المزري الحالي لقطاع التعليم لدينا. وفي الوقت ذاته بدأ الساسة يحذرون من أن التفوق الأميركي في مجال البحوث العلمية والإنتاجية سيتلاشى وسيتلاشى معه مستوى المعيشة المرتفع الذي يتمتع به المواطن الأميركي بسبب هذا التراجع في أنظمة التعليم.
إن معظم النقاد يتفقون بالطبع على أن الجزء الأكبر من اللوم وراء تدهور المستوى التعليمي لشبابنا لا يقع على عاتق المدارس وحدها. فطموحنا الحالي المتمثل في أن يحصل كل أميركي على شهادة جماعية يعني أننا سنفشل بالتأكيد في بلوغ مثل هذا الهدف الطوباوي وفي الوقت ذاته سنفتقد في حال تحقيقه وجود عدد كاف من الأميركيين يتمتعون بمهارات مهنية عالية يحتاجها المجتمع تماما كما يحتاج إلى الشهادات الجامعية العليا.
إن التفكك الحاصل في الأسرة الأميركية هو أحد أسباب المشكلة. فعدد كبير من الطلبة ليس لديهم آباء وأمهات يذكّرونهم بقيمة التعليم العملي والنظري على حد السواء، فما الذي يمكن لمدارسنا الابتدائية والثانوية فعله عندما يتبين أن مشكلات عدد كبير من تلاميذنا تبدأ من داخل المنزل أو تنشأ بسبب ثقافتنا الشعبية المنغلقة؟
يتعين علينا بادئ ذي بدء التخلص من مناهجنا التي تقوم على المحاضرات والمواعظ التي تركز على قضايا العرق والنظام الطبقي والجنس والمخدرات واحترام الذات والبيئة. كل هذا المواد لا شك تحمل قيما عالية والقائمون عليها لا شك أنهم يحملون نوايا حسنة ويبذلون جهوداً مشكورة في توصيل محتواها للطلبة. لكن تعليمها في الوقت نفسه يستغرق وقتا طويلا على حساب المواد الأخرى الأكثر أهمية.
الإستراتيجية السابقة التي كانت أميركا تتبناها تجاه النظام التعليمي في البلاد كانت مختلفة عن تلك التي نطبقها الآن. فالتعليم لم يكن يجري تعريفه باعتباره يخاطب مجموعة معينة من القضايا. فقد كان يجري التعامل معه باعتباره نظاما يمنح قدرة عقلانية على التعامل بمنطقية مع ما يمكن أن يوجد من فوضى في الحاضر من خلال ما يتوافر من منطق وعقلانية وحكمة في الماضي.
ومن ثم فإن مواد الأدب والتاريخ والرياضة والعلوم كانت تمنح الطلبة قدرا كبيرا من الحقائق والمعايير التي يمكن التعويل عليها والركون إليها. ومن ثم يأتي دور الفلسفة واللغات والمنطق التي توفر للطالب الأدوات التي يمكنه من خلالها استخدام هذه الخبرات المتراكمة والتعبير عنها.
ماذا يمكننا أيضاً فعله من أجل استرداد هذه الطبيعة التقليدية في التعليم حتى تستطيع الولايات المتحدة استعادة تفوقها العالمي؟
فمن أجل تشجيع أفضل عقولنا كي يصبحوا معلمين، ينبغي لنا أيضاً تغيير المؤهلات اللازمة لهذا الأمر. فالطلبة يجب أن يصبحوا قادرين على الحصول على وظائف في سلك التدريس إما عن طريق الحصول على الشهادات التدريسية العامة المعترف بها، أو عن طريق الحصول على شهادة ماجستير في مادة أكاديمية.
فبهذه الطريقة سيمكننا الحصول على خدمات عدد أكبر من المعلمين لديهم بالفعل معرفة أكاديمية حقيقية بدلا من أشخاص أدمغتهم مكتظة بالنظريات الخاصة بكيفية التدريس.
وبمجرد أن يجري تعيينهم ينبغي لمدرسي المرحلة الابتدائية أن يعلموا أن نظام التثبيت للأبد في مناصبهم قد انتهت صلاحيته؛ فهذا النظام أصبح باليا ويحمي المدرسين من المساءلة ولم يؤد كذلك إلى التنوع الأيديولوجي والاستقلالية داخل المؤسسة التعليمية. فإتباع نظام العقود القابلة للتجديد وفقا لمتطلبات معينة ووفقا لقيام المدرس بتحقيق المستهدف منه هو النظام الذي يجب تطبيقه على أن يشتمل حوافز من أجل دفع المدرس إلى أداء المطلوب منه على أكمل وجه.
فمثل هذا النظام سيحفظ مصداقية المدرس وقدرته على تحمل المسؤولية. الرياضة البدنية والأنشطة الاجتماعية قد تكون من الأمور المرغوب فيها داخل المدارس ولكنها ليست حيوية. إن سلم الرواتب لدينا يجب أن يعكس حقيقة وواقع الحياة. فكبار مدرسينا يجب أن يتقاضوا الرواتب نفسها إن لم تكن أعلى من تلك التي يتقاضاها رؤساء الإدارات وكبار الموظفين والمدربين والمستشارين.
إن هذا النوع من التعليم الليبرالي الذي حصل عليه جدي المزارع كان السبب وراء الثراء والحرية والاستقرار الذي تعيشه الولايات المتحدة. ومن دونه سنتحول إلى دولة فقيرة، ضعيفة، مستكينة، غير آمنة.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»