نجح الإسرائيليون في ترحيل قضايا الوضع النهائي إلى ما بعد اجتماع الخريف المقرر الشهر المقبل في واشنطن. فمنذ البدء عارض الإسرائيليون مناقشة هذه القضايا وهي القدس والاستيطان واللاجئين والحدود باعتبار أنها قضايا خلافية ستنسف المفاوضات كما حدث في مفاوضات كامب ديفيد بين بيل كلينتون وايهود باراك وياسر عرفات.
عندما دعت كونداليزا رايس إلى اجتماع واشنطن قال الفلسطينيون انه لا يمكن لهذا الاجتماع أن يكون مثمراً طالما لم يتم بحث قضايا الوضع النهائي والاتفاق عليها قبل الاجتماع وقال الإسرائيليون إن الممكن هو الاتفاق على إعلان مبادئ جديد وهو ما رفضه الفلسطينيون ثم سرعان ما وافقوا عليه باعتبار أنهم لدغوا سابقاً من إعلان مبادئ اتفاق أوسلو الذي لم ينفذ منه سوى القليل.
ثم أعلن أيهود أولمرت أن اجتماع واشنطن سيعلن عن بيان مشترك وليس إعلان مبادئ وهكذا فان الإسرائيليين هم الذين قرروا جدول أعمال الاجتماع مسبقاً بل وقفزوا عن قضايا الوضع النهائي ورحلوها إلى ما بعد لقاء واشنطن. عملياً فان لقاء واشنطن سيكون طبقاً للتصور الإسرائيلي حيث قالوا مسبقاً انه يجب تخفيض سقف التوقعات من هذا اللقاء ولا يمكن البناء عليه كهدف بل هو خطوة على طريق المفاوضات.
وبالتالي فان الوفدين المفاوضين اللذين تم تشكيلهما لبحث الوثيقة المشتركة في الأسبوع المقبل سينهمكان في وضع ما يمكن وصفه بجدول أعمال تفاوضي وليس سيناريوهات تفاوضية لأن الأخيرة ستنطلق لاحقاً أي بعد لقاء واشنطن.
وحتى قضايا الوضع النهائي فإن الإسرائيليين في تصريحاتهم المختلفة وضعوا خطوطاً حمراء تعبر عن مواقفهم النهائية وهي أن الدولة الفلسطينية المرتقبة هي وطن العودة للاجئين الفلسطينيين وليس فلسطين المحتلة عام 1948 وأن الجدار الفاصل هو الحدود بين الدولتين وأن الكتل الاستيطانية باقية في أماكنها وأن الحل بالنسبة لمدينة القدس قد يكون في تسليم السلطة الفلسطينية الأحياء العربية في شرقي القدس وليس الأحياء الاستيطانية التي أقيمت ويسكنها أكثر من 200 إسرائيلي.
وأن مصير البلدة القديمة والمقدسات يبقى مفتوحاً للنقاش، وهناك أيضا مسألة الوقت حيث يرفض الإسرائيليون تحديد جدول زمني للتوصل إلى اتفاق حول قضايا الوضع النهائي وحتى لو تم الاتفاق فإن تنفيذه يبقى مفتوحاً دون سقف زمني محدد حيث قال أيهود اولمرت إن تنفيذ أي اتفاق مع الفلسطينيين قد يستغرق ما بين 20 - 30 سنة. هذا كله يضفي الكثير من الشكوك حول جدية إسرائيل في التوصل إلى اتفاق أو تسوية سلمية. لكن الجانب الفلسطيني.
وهو يقرأ هذه المواقف الإسرائيلية ما زال متمسكاً بأن الوثيقة المشتركة يجب أن تتضمن سيناريوهات لحل قضايا الوضع النهائي يتم التفاوض حولها بعد مؤتمر الخريف فيما يرغب الإسرائيليون في بيان من ورقة واحدة يكون مؤشراً للمفاوضات اللاحقة وإذا حدث ما يريده الإسرائيليون فان المؤتمر سيسير وفق وجهة النظر الإسرائيلية أي مجرد لقاء علاقات عامة يمكن لإسرائيل أن تجني من ورائه اتصالات مع بعض الأطراف العربية دون أن تقدم شيئاً وهو ما ترفضه الدول العربية خاصة المملكة العربية السعودية التي لا تريد منح إسرائيل أي شيء دون مقابل.
إذاً فإن الأسابيع القليلة المقبلة وعلى ضوء عمل الوفدين المفاوضين الإسرائيلي والفلسطيني يمكن تحديد مصير مؤتمر الخريف فإما أن يتم الاتفاق على وثيقة مشتركة وفقاً للرؤية الفلسطينية التي تريد حلاً واقعياً أو الرؤية الإسرائيلية التي تريد إنهاك الجانب الفلسطيني المنهك أصلا حتى تنتزع منه تنازلات وتملي عليه إملاءاتها. ولهذا بات موعد المؤتمر في مهب الريح حيث أصبح من الممكن تأجيله إلى حين اتفاق الطرفين ربما في نهاية نوفمبر أو ما بعد ذلك.
عملياً افرغ الإسرائيليون المؤتمر من الزخم الذي اكتسبه عندما دعا إليه الأميركيون، فهم يريدونه مؤتمراً لإطلاق المفاوضات وليس للتوصل إلى اتفاقات، مع انه بالإمكان التوصل إلى اتفاقات، لكن الوضع السياسي الإسرائيلي الداخلي غير مهيأ وكذلك فإن الأولويات على جدول الأعمال الإسرائيلي تهمش الوضع الفلسطيني لصالح المواجهة مع إيران وسوريا.
ولعل هذه الأولويات الساخنة هي التي أبقت اولمرت في سدة الحكم ومنعت إجباره على الاستقالة بتأجيل نشر تقرير فينوغراد حول مسؤوليته في الفشل في حرب لبنان وكذلك نجاته من عدة ملفات فساد.
كل هذا يؤكد أن ثمة ملفات ساخنة أهم من الملف الفلسطيني، وبالتالي فان ترحيل قضايا الوضع النهائي وتأجيل الاتفاق مع الفلسطينيين يصبح هدفاً إسرائيليا وستحاول وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس في جولتها الأسبوع المقبل حث الجانبين على ضرورة التوافق على وثيقة مشتركة والضغط باتجاه منح الرئيس الفلسطيني انجازاً ما في مؤتمر الخريف لأن خروجه فارغ اليدين يعني فشل اللقاء وإحباط الدول العربية المدعوة إلى المشاركة. ومقدار الضغط الأميركي سيحدد مدى جدية واشنطن صاحبة الدعوة في إنجاح اللقاء أما إذا تبنت وجهة النظر الإسرائيلية فان هذا يعني تساقط أوراق لقاء الخريف قبل انعقاده.
رئيس تحرير صحيفة «الحياة الجديدة» الفلسطينية