تتسارع الخطى والمساعي الأميركية نحو دفع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للتوصل لوثيقة إعلان مبادئ جديدة بمضمونه من حيث المعاني والأبعاد، يتم من خلالها إعادة استنساخ إعلانات المبادئ السابقة التي تم التوصل إليها عبر سنوات مديدة من التفاوض السياسي الممل الذي بدأ منذ العام 1993 بعد توقيع اتفاق أوسلو الأول في حديقة البيت الأبيض.

وذلك بعد إخضاعها لجملة من التعديلات التي تمس العناوين الرئيسية المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني، وإعطاءها «آليات وميكانيزمات دفع» وفق ما جاءت به تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في زيارتها للمنطقة قبل أسبوعين من الزمن، وبما يقود إلى «اتفاق دائم مفصل متأجل التطبيق شامل بوساطة أميركية» والذي يتضمن إقامة (كيان) يسمى دولة فلسطينية (أوسع من حكم ذاتي وأقل من دولة ذات سيادة) وبحدود مؤقتة (فليس لدى الإسرائيليين شيئاً أكثر ديمومة من المؤقت).

وحسب غالبية المصادر الفلسطينية المطلعة ووفقاً لمضمون تسريبات الصحف الإسرائيلية وهي تسريبات (مدروسة وليست بريئة) تقوم بها الجهات الإسرائيلية المعنية، فان أيهود أولمرت والجانب الإسرائيلي يعملان من خلال المحادثات التي جرت وتجري مع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، وهي محادثات ذات مساس بالمصير الفلسطيني، يعملان على تحقيق تحولات نوعية على المسار التفاوضي لنيل مكاسب (ذات طبيعة إستراتيجية بعيدة) تنسف أسس المفاوضات القائمة على أساس المرجعية الدولية قولاً وعملاً.

فمنذ بداية اللقاءات الأخيرة تمهيداً لمؤتمر واشنطن الإقليمي يكرر ويعلن الجانب الإسرائيلي أنه «لا يريد الحديث الآن عن عناصر ومواصفات الحل النهائي» وتحديداً بالنسبة لمسائل (الحدود واللاجئين والمدينة المقدسة والسيطرة الأمنية على الأرض والجو والمعابر..) ويعلن أنه سيبحث في هذه المواصفات شفهياً فقط، ولكنه يرفض تضمينها كتابة في أي إعلان مبادئ أو وثيقة مكتوبة.

ويشيع بالوقت ذاته أن البحث في قمة واشنطن القادمة يفترض به أن يتناول البحث السياسي العام (أي الفضفاض في الواقع للعملي) وأن يركز على قضايا البناء الاقتصادي وعلى إعادة بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي المؤسسات (المتواضعة) التي سبق وأن قامت قوات الاحتلال وطائراته الحربية بتدمير بنيتها التحتية في قطاع غزة وعموم الضفة الغربية وحصار المقاطعة والرئيس الراحل ياسر عرفات عقب عملية «السور الواقي» شتاء وربيع العام 2002، وتأجيل البحث والبت بالقضايا المصيرية والسياسية إلى وقت لاحق قد يطول ويطول وقد لا يأتي.

في هذا السياق، ووفقاً للمعلومات المتواترة من فلسطين، فالطرف الفلسطيني، يواجه ضغوط كبيرة يتعرض لها من أجل إلغاء المطالب الفلسطينية الداعية لوضع العناصر الرئيسية للتسوية على طاولة البحث والحل، وتبني الرؤية والمنهج الإسرائيلي، وإلغاء إصراره على مناقشة القضايا النهائية، وتدوينها في ورقة عمل تعرض على مؤتمر الخريف الذي دعا إليه الرئيس جورج بوش، ويلحظ بالمقابل وجود إلحاح أميركي لسلق الأمور ودفع الفلسطينيين للقبول بالتركيز على الوضع الاقتصادي (مع أهمية هذا الجانب) وتناسي القضايا الرئيسية.

وأكثر ما يلفت الانتباه هو التوجه الإسرائيلي المستمر، الذي يريد إعادة صياغة وقولبة شعارات وحلول إنشاء دولتين، دولة فلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية، بالقول إن الهدف هو اعتراف متبادل جديد بدولة إسرائيل على أساس أنها (الوطن القومي التاريخي لليهود)، يقابل ذلك وجود دولة فلسطينية فيما يتبقي من فلسطين بعد المفاوضات هي (الوطن القومي للفلسطينيين)،.

وهي صيغة اعتراف جديدة، تقول بأن دولة إسرائيل هي الوطن القومي لليهود، وهي صيغة خطيرة للغاية أيضاً، ولا بد من نبذها رسمياً وعلنياً، وعلى مستوى السياسة والإعلام أيضاً. فهذه الصيغة تحمل الإقرار بالحق التاريخي لوجود إسرائيل وتجاوزاً للموقف الفلسطيني المعروف، وهو الموقف الذي يقول بأن الاعتراف بإسرائيل جاء كأمر واقع وليس اعترافاً بحقها التاريخي في الوجود.

فإسرائيل تضغط الآن من أجل صيغة اعتراف تختلف عن صيغة الاعتراف المتبادل الموقعة بين اسحق رابين وياسر عرفات عام 1993 قبل توقيع اتفاق أوسلو الأول بأيام، صيغة تتحدث بفصاحة ووضوح أكثر عن (الاعتراف بحقها التاريخي في الوجود)، وهي صيغة تريد بها شطب ذاكرة الشعب الفلسطيني، وتريد بها منه تناسي تشريده من موطنه والاستيلاء على أرضه وممتلكاته وتعرضه لأكبر عملية منظمة للتطهير العرقي في التاريخ الحديث إبان نكبة 1948 وعدوان يونيو 1967، واعتبار ما حدث في العام 1948 شيئاً قد انتهى وأمسى من الماضي الميت.

عدا عن ذلك فالصيغة إياها تتضمن إقراراً فلسطينياً بإسقاط حق العودة الذي يمس مصير أكثر من (66%) من الشعب الفلسطيني وتلغي تلقائياً وطوعاً حق العودة للاجئين الفلسطينيين على مستويين: مستوى الاعتراف بالحق (دولياً)، ومستوى تنفيذ الحق كما أشار أحد أبرز قادة حملة الدفاع عن حق العودة الدكتور سلمان أبو سته في رسالة له للرئيس محمود عباس قبل أيام.

وبالطبع، إن المطلب الإسرائيلي (الوقح) بالنسبة لشطب مطلب حق العودة، يشكل وصفة سيئة لتعميق الانقسام وإثارة البلبلة في البيت الفلسطيني، كما يشكل عبئاً تاريخياً لا يمكن لأي مسؤول فلسطيني أن يتحمل تبعاته أمام الشعب وأمام التاريخ، كما أن الصيغة التي يطرحها الإسرائيليون الآن بالنسبة لحق العودة تجسد «منطقا» تفاوضياً متكاملاً، يسري على كل بنود التفاوض الأخرى ذات البعد الاستراتيجي، ويحولها إلى جانب الرؤية الأميركية للتسوية والى جانب المصلحة الإسرائيلية.

ولذلك فإن رفضها بوضوح وقوة، هو المدخل لأي مفاوضات تقوم على أساس حق الشعوب في تقرير المصير، وعلى أساس الشرائع الدولية التي تقدس حق العودة لأي مواطن تم تهجيره من وطنه، واستناداً لمرجعية قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن التي نادت وتحدثت عشرات المرات بحق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والاستقلال.

فالمفاوض الفلسطيني يجب أن يدرك أكثر من غيره بأنَ هناك قرارات دولية وخاصة القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة يؤكِّد ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ووطنهم بأقرب فرصة ممكنة، وتم التأكيد على القرار المذكور في أروقة الأمم المتحدة أكثر من مئة وعشر مرات خلال الفترة 1948-2003.

ومن هنا فإن هناك ثمة ضرورة لاستطلاع رأي على حق العودة باعتباره حق فردي وجماعي ضمنته القرارات الدولية من جهة وأكد عليه اللاجئون على تسعة وخمسين عاماً من الصراع، وقدموا من أجل هذا الحق أكثر من تسعين ألف شهيد، وأظهر الشعب الفلسطيني في انتفاضاته المتلاحقة التي شكل ومازال يشكل اللاجئون الفلسطينيون عمودها الفقري أن لا شيء يمكن أن يمر من وراء ظهره، وأن لا شيء يمكن أن يسد في وجهه طريق الحرية والخلاص، طريق عودة اللاجئين بالرغم من فقاقيع الصابون السياسي التي تطلق من حين لأخر انتقاصاً من حق العودة وتحت عناوين «الأفكار الخلاقة لحل قضية اللاجئين».

وبالإجمال، إن الذهاب الفلسطيني إلى مؤتمر الخريف، لا بد أن يعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني. وهذا يقتضي العمل بسرعة وجدية، من أجل تجاوز حالة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وحل هذا الإشكال على قاعدة وحدة الشعب وعناصر القضية ورفض منطق تجزئة الحلول. والتمسك بمبادرة السلام العربية الجماعية، التي تطالب بحل شامل على كافة المسارات، ومن هنا أهمية المشاركة العربية المدروسة في المؤتمر، وتجنب الوقوع في فخ استبعاد البعض منها كسوريا، كما في تجنب التطبيع المجاني الذي تسعى له الإدارة الأميركية.

كاتب فلسطيني ـ دمشق