لكل عملية إبداعية أطراف ثلاثة تتمثل في المنتَج الإبداعي، والمبدع، والجمهور المتلقي. ولا يمكن هنا التنكر للسياق الاجتماعي المحيط، فهو يشمل هذه الأطراف الثلاثة، كما أنه داعم ومتغلغل في كل منها، وإن بنسب متفاوتة ومتباينة، تفاوت وتباين الأطر الزمانية والمكانية على السواء. وتختلف النظريات الأدبية والفنية فيما بينها في التركيز على أي من الأطراف الثلاث السابقة.

فالبعض منها يوغل في النص الأدبي أو الفني مكتفيا بالتحليل الداخلي للبنية الجمالية التي يشتمل عليها. كما أن البعض الآخر يتربص بشخص المبدع ذاته محاولاً توصيف وتحليل الجانب الإبداعي الذاتي، أو الجانب الاجتماعي التاريخي المرتبط بشخص المبدع والمحيط به في الوقت نفسه.

وأخيراً قد يترك البعض كل ذلك ليرصد الكيفية التي يتم بها تلقي هذا العمل الإبداعي عبر شروط تاريخية ومكانية محددة. بالطبع يأتي أيضاً، وفي ارتباط مع أي من الجوانب السابقة، تلك التحليلات التي تركز على الجوانب الاجتماعية أو السياسية أو حتى الاقتصادية المرتبطة بظهور تلك الأعمال، وطبيعة القوى الاجتماعية المختلفة التي تعرض لها وتتناولها. وهو الأمر الذي يحيل التحليل الإبداعي في الكثير من الأحيان إلى ما يشبه التأريخ للفترات التاريخية التي ظهر عبرها العمل وتمثل تحولاتها المختلفة.

وفي هذا السياق، يمثل المسلسل الكارتوني الإماراتي «الفريج» حالة إبداعية فريدة. فلأول مرة يظهر مسلسل كارتوني يستطيع أن يشد انتباه المشاهد الإماراتي، ناهيك عن المقيمين من كافة الجنسيات المختلفة على مستوى الدولة. كما أن تلك الفرادة تستمد استمراريتها من ذلك الزخم الإعلامي والمجتمعي المحيط بالمسلسل في عامه الثاني على التوالي.

وهو الأمر الذي يستدعي الاهتمام والتساؤل عن الأسباب التي أدت إلى دوام ذلك الشيوع للمسلسل، والتي مازالت تربط المشاهدين، المواطنين والوافدين منهم على السواء، بمتابعة أحداثه، بل ومناقشتها والاستئناس بها على حد قول الإماراتيين. لقد تم طرح هذا التساؤل على مئة طالبة من طالبات جامعة الإمارات اللاتي يشملن كافة التخصصات العلمية من ناحية، كما يشملن كافة إمارات الدولة من ناحية أخرى.

ولم يكن التساؤل معنيا هنا بالجوانب التقنية أو الإبداعية أو حتى الاجتماعية الخاصة بالمسلسل، رغم اشتماله على كل ذلك، لكنه كان معنيا بالأساس بالتعرف على الأسباب التي أدت إلى انتشار المسلسل بمثل هذا الحجم، وذيوعه بمثل هذه الدرجة. فالتساؤل يرتبط في النهاية بطبيعة التلقي للمسلسل والأسباب المؤدية إليه.

وهو تساؤل مشروع من حيث أهمية المسلسل وحجم انتشاره من ناحية، ومن حيث أهمية التعرف على آليات القبول الإبداعي في أحد المجتمعات الخليجية الناهضة من ناحية أخرى. كما أنه تساؤل مشروع من حيث أهمية التعرف الأولي على طبيعة الجمهور الذي تابع المسلسل ومعالم ذائقته الفنية، وحدود الأطر النقدية المرتبطة به. صحيح أن العينة لا تشتمل على تباين اجتماعي واسع، كما أنها لا تشتمل على عدد كبير من المشاهدين، لكنها بدرجة أو بأخرى تمنحنا قدراً ما من القبول والتحسس لطبيعة التلقي للمسلسل.

يمكن تحديد أهم الأسباب المؤدية لذيوع مسلسل «الفريج» وانتشاره، من وجهة نظر الطالبات، فيما يلي:

بروز الجانب الوطني في المسلسل، والذي ظهر من خلال جانبين، أولهما ارتباطه بالقيم الاجتماعية المحلية، وثانيهما إبداعه من خلال كادر وطني إماراتي. بالنسبة للجانب الأول فقد أكدته كل الطالبات وعرضن له بأشكال وتجليات مختلفة. فالبعض يرى أنه جاء معبراً عن أخلاق إماراتية خليجية عربية مرتبطة بالقيم والعادات والتقاليد والجوانب الدينية الإسلامية.

كما رأت بعض الطالبات أن المسلسل يرتبط بالماضي الأصيل، ويستعيده ويؤكد عليه، بما يعيد اكتشافه بالنسبة للأجيال الجديدة، ويساعد على الحفاظ عليه. ففي ظل النقلة النوعية الهائلة بين ظروف الماضي وتجليات الحاضر الضخمة والعديدة، فإن المسلسل يقوم بدور بالغ الأهمية من حيث الحفاظ على الهوية الوطنية، وصيانتها في وجه التغييرات المختلفة على كافة الصعد والمستويات.

إضافة إلى ذلك فقد أكدت العديد من الطالبات بروز الملمح الوطني للمسلسل من خلال تركيزه على استخدام اللهجة المحلية والأمثال الشعبية بطريقة جعلته يستعيد الذاكرة الجمعية الوطنية من ناحية، ويقرب تلك اللهجة وما يرتبط بها من مفردات مختلفة إلى الأجيال الجديدة وذائقتهم الأقرب لمرحلة التحديث المعاصرة من ناحية أخرى.

وبالنسبة للجانب الثاني، فقد كان هناك ما يشبه الإجماع على السعادة البالغة بكون هذا المسلسل من إنتاج كادر إماراتي محلي. وهو الأمر الذي يؤشر بدرجة كبيرة من المصداقية على وجود كوادر محلية وطنية قادرة على صناعة أعمال إبداعية تصل لمستويات بالغة الإبهار، طالما توفر لها الدعم والثقة المناسبين. وفي هذا السياق أكدت الكثير من الحالات على الدعم الكبير الذي لاقاه المسلسل من قبل المسؤولين، ومن قبل أجهزة الإعلام المختلفة.

يرتبط بما سبق ما أكدته حالات الدراسة على بساطة العمل وطرافته. فنجاح المسلسل، من وجهة نظر الطالبات، ارتبط ببساطته التي قربته من قلوب المواطنين والوافدين على السواء. ولقد تجلت بساطة هذا العمل من خلال العديد من المظاهر؛ منها طبيعة الشخصيات البسيطة التي اعتمد عليها، وطبيعة القضايا الاجتماعية التي عرض لها والتي ترتبط بالحياة اليومية للمواطن العادي.

كما أنه لم ينغمس في الكوميديا المبتذلة، وارتبط بفضاء واسع من الشخصيات الفرعية التي عبرت عن العديد من الجنسيات المختلفة المقيمة بين أرجاء الدولة. وإذا كانت الملامح السابقة من بساطة المسلسل ترتبط بالنواحي البنيوية والفنية الخاصة به، فإن بعض الطالبات قد عبرن أيضاً عن بساطة العمل من خلال مدة عرضه القصيرة التي تبلغ ربع الساعة، لمدة خمسة عشر يوما فقط لا غير.

وهو ما ينفي عن المسلسل الرغبة في الإطالة أو ذلك الملل الذي يرتبط بالعديد من المسلسلات المعروضة على شاشات القنوات الفضائية المختلفة.

إضافة إلى ذلك، فقد ذكرت الطالبات أن المسلسل نجح في لم شمل كافة الشرائح الاجتماعية والعمرية المختلفة حوله، من مواطنين ومقيمين، صغار وكبار، نساء ورجال. وهى حالة يصعب أن يحققها أي مسلسل تلفزيوني بممثلين حقيقيين، ناهيك عن مسلسل يعتمد على شخصيات كارتونية غير حقيقية. لقد مثل مسلسل «الفريج» بالنسبة للطالبات الحالة اليومية الوحيدة التي تجمع شمل الأسرة الإماراتية، بما يرتبط بذلك فيما بعد من سوالف وحوارات ومؤانسة.

وبخلاف الأسباب السابقة التي عبرت نسب كبيرة من الطالبات عنها هناك العديد من الأسباب الأخرى وراء ذيوع المسلسل التي ذكرتها بعض الطالبات بنسب متفاوتة مثل: تمايز المسلسل عن غيره من المسلسلات الأخرى المعروضة من ناحية القضايا التي يتناولها، وتناوله لموضوعات مجتمعية حساسة، والجمع بين الأصيل والحديث، وبين الثقافة البدوية والثقافة المعاصرة، وإحيائه للتراث الإماراتي بشكل كارتوني مبتكر، وأخيراً قدرته على التركيز على أهمية التبادل الثقافي والتواصل الحضاري.

لقد عبرت استجابات الطالبات بدرجة أو بأخرى عن المزاج العام تجاه المسلسل، الذي لا يستطيع المرء أن ينكر نجاحاته غير المسبوقة في حقل الإنتاج الفني. لكن تبقى عدة أمور هامة لابد من تناولها تتعلق باستجابات الطالبات من ناحية، وبمستقبل المسلسل من ناحية أخرى. فنجاح المسلسل قد ارتبط خلال العامين الماضيين بقدرته على عرض ما يلتقي مع ذائقة المتلقي، ومع أطره الاجتماعية والقيمية، وهو الأمر الذي لم يخلق أية تعارضات بين المسلسل وبين المشاهد. فهل يخلق المسلسل في السنوات القادمة أطراً جديدة خارج توقعات المتلقي بما يجعله يخرج عن إطار مشاهدته المستكينة المسترخية المبتسمة إلى إثارة تساؤلات نقدية جديدة؟

وفي هذا السياق، لابد من الإشارة هنا إلى أن أيا من الطالبات لم تشر من قريب أو بعيد إلى الطابع المتحيز في المسلسل بخصوص المرأة. وهو الأمر الذي يجعلنا نثير تساؤلاً ثانيا بالنسبة لمستقبل المسلسل، هل سوف يضيف المسلسل شخصيات ذكورية مجتمعية، بما يوسع دائرة الموضوعات التي يتعامل معها من ناحية، وبما يوسع دائرة النقد الاجتماعي من ناحية أخرى؟

لا يمكن لأي كان أن يتجاهل تلك النجاحات الهائلة التي ارتبطت بمسلسل «الفريج»، وهو الأمر الذي يلقي على عاتقه العديد من الأمور المختلفة التي يأتي في طليعتها قدرته في السنوات القادمة على خلق متلق جديد بمواصفات نقدية جديدة.

وهنا تكمن عظمة وأهمية أي عمل إبداعي، وهى ألا يقدم ما يتوقعه المشاهد، ويدغدغ مشاعره وتوجهاته، بقدر ما يقدم له أطراً جديدة خارج توقعاته. صحيح أن هذه الأطر قد تصدم المتلقي، لكنها بالتأكيد تحفزه على معاركة العمل الفني أو الإبداعي بشكلٍ نقدي بناء ومتطور. وهو الأمر الذي يمايز بين تلك الأعمال العابرة وتلك الأعمال الخالدة.تحية من القلب لفريق عمل المسلسل الذي أسعدنا جميعاً، وتحية لطالبات جامعة الإمارات المستنيرات.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com