إذا كانت الولايات المتحدة لا تجني من إسرائيل فائدة استراتيجية تربو على الأضرار التي تصيب المصالح القومية الأميركية، وإذا كان الدعم الأميركي للدولة اليهودية لا يسنده مبدأ أخلاقي حيث إن وجود إسرائيل لم يعد مهدداً، وإذا كانت الولايات المتحدة صارت هدفاً للإرهاب بسبب العلاقة الخاصة معها فما هو التفسير لاستمرار الدعم الأميركي المتصاعد أبداً للدولة الإسرائيلية؟

هذا هو السؤال المفتاحي الذي طرحه وعالجه أكاديميان أميركيان ـ البروفيسور جون ميرشيمر والبروفيسور ستيفن والت ـ من خلال كتابهما الجريء الصادر للتو بعنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية».

حتى قبل أن نتصفح الكتاب نجد أن العنوان يوحي بإجابة ضمنية. فالإجابة تتمثل في قوة نفوذ «اللوبي» الإسرائيلي داخل مؤسسات السلطة العليا الأميركية.

لولا نفوذ وجهود اللوبي الإسرائيلي لما تورطت الولايات المتحدة في مستنقع العراق. هكذا يقول المؤلفان. ذلك أن قرار الحرب على العراق كان مستوحى من المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى وليس المصالح الحيوية الأميركية، وقد اتخذ الرئيس بوش القرار بناء على ضغط من الدائرة الصغيرة المحيطة به داخل البيت الأبيض التي يطلق عليها «مجموعة المحافظين الجدد».

ويفيدنا المؤلفان أن هذه المجموعة التي تتكون في غالبيتها من شخصيات يهودية تعمل لحساب الحركة اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة، وبينما اشتد نفوذ هذه العصابة بعد تفجيرات سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن فإن أعضاءها اقترحوا شن غزو على العراق حتى قبل ذلك التاريخ.

ويقول المؤلفان إن أشد هؤلاء الأعضاء عداءً للعرب والمسلمين بول فولفيتز ودوغلاس فيث ـ وكلاهما يهوديان ـ اللذان كانا يشاركان في تسيير وزارة الدفاع مع الوزير دونالد رامسفيلد وهو أيضاً أحد نجوم المحافظين الجدد ـ ثم سكوتر ليبي الذي كان يعمل في البيت الأبيض وجون بولتون الدبلوماسي السابق بوزارة الخارجية.. وعدد من الأكاديميين أبرزهم بيرنارد لويس الاستاذ بجامعة برنستون.

ولكن كيف أفادت إسرائيل من حملة الغزو الأميركي على العراق وتداعياتها؟

أولاً: لقد انتهى العراق كرقم مهم في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. فالغزو الأميركي لم يستهدف فقط نظام صدام حسين وإنما استهدف كما رأى العالم ويرى حتى اليوم تدمير الدولة العراقية ككيان عربي مهم.

ثانياً: من أبرز الخاسرين من تدمير العراق ونظام صدام فصائل المقاومة المسلحة الفلسطينية ـ فقد كانت أسر الشهداء تتلقى منحاً نقدية عراقية من حين لآخر بمقدار عشرة آلاف دولار.

ثالثاً: أدى الغزو إلى بروز كردستان ككيان دولة غير عربية تتحالف مع إسرائيل.

لقد اتخذ الرئيس بوش قرار شن الحرب على العراق ـ أو في حقيقة الأمر تبنى قرارا اتخذته عصابة المحافظين الجدد الموالية للصهيونية الأميركية ـ بناء على كذبة كبرى ملفقة بنسبة مئة في المئة مفادها أن عراق صدام يمتلك أسلحة دمار شامل قابلة للتشغيل الفوري مما يتهدد الأمن القومي للولايات المتحدة. لكن الكذبة انفضحت على نطاق عالمي، والسؤال الذي يطرح هنا هو: لماذا اضطرت إدارة بوش للجوء إلى الكذب الصريح والتلفيق الفاضح (مما لا يليق بقوة عظمى) من أجل تبرير قرار غزو العراق؟

الإجابة بسيطة كما يقول الأكاديميان الأميركيان: وهي أنه ما كان للرئيس الأميركي أن يقول لشعبه إن الولايات المتحدة قررت شن حرب كبرى من أجل إسرائيل وكاستجابة لضغط الحركة اليهودية الصهيونية.

وبعد. ماذا بوسع «المتأمركين» العرب أن يقولوا بشأن البروفيسور ميرشيمر والبروفيسور والت؟