أن يبقى العيد الكريم وأجواؤه بمنأى عن التنغيص السياسي، في غزة؛ فهذا أضعف الإيمان. جلال المناسبة وقدسية اللحظة تقتضيان، بأن ينعم القطاع بفسحة أمان واستقرار. على الأقل لأداء صلاة اليوم الفضيل. ناهيك عن القليل الميسور من التمتع ببهجة العيد. وهي فسحة يكاد ينساها الغزاويون، لفرط ما صارت نادرة في حياتهم.

في السابق كان الاحتلال الإسرائيلي وراء هذه الندرة. بعد رحيله صارت الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية وما آلت إليه المسبب الأساسي لتحويل الأوضاع في غزة إلى شبه جحيم.

ثم إن هذه الصراعات تقوي إسرائيل وتفاقم من عدوانها بالعمليات العسكرية والاغتيالات اليومية، في القطاع. وإذا كان من غير المنتظر من إسرائيل أن تكف عن عدوانيتها ولو في يوم العيد؛ فإنه من المنطقي بل المتوجب أن تبادر القوى الفلسطينية المعنية، إذا لم يكن إلى توفير الأجواء الصافية؛ فعلى الأقل إلى عدم تأزيم المأزوم وصب الزيت على النار من خلال مناسبة العيد.

المؤسف أن الاحتمال الأخير معطياته متوفرة. الأطراف الفلسطينية أوجدت أرضيته. «فتح» دعت أنصارها إلى أداء «صلاة العيد في الساحات العامة»، في غزة؛ على أن يتلو «الصلاة في العراء» توجه إلى مقابر الشهداء الأبرياء الذين سقطوا خلال الانقلاب. رد حكومة حماس بمنع ذلك، إلا بعد «الحصول على تصريح خاص من وزارة الداخلية ودعت إلى التقيد بالإجراءات القانونية؛ طالبة من الجميع الالتزام بها. وحذرت الوزارة من أي تجمع بدون ترخيص وإلا فإن الجهة المعنية «ستعرض تجمعها للفض، بالإضافة إلى مساءلة المسؤولين عنه».

وبذلك تكون عناصر التعكير، إذا لم يكن أكثر، قد توفرت، سيما وأنها تأتي على خلفية علاقات متوترة وقطيعة بين الفصيلين. وبدلاً من أن تتحول مناسبة العيد إلى فرصة للمراجعة أو لمحاولة العودة إلى التواصل؛ فهي تأخذ الوجهة النقيضة. ومثل كل مرة، تحتدم ساحة العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية الآن، في ذات اللحظة التي تزداد فيها شراسة الهجمة الإسرائيلية.

الحركة الاستيطانية تتجدد وتتغول أكثر وأكثر. وبالتحديد في محيط مدينة القدس، لتطويقها بالمستعمرات الإسرائيلية وبالتالي طمس هويتها العربية كما تزداد عملية التقطيع لأوصال الضفة الغربية، بمد الطرقات وتمديد جدار الفصل؛ وذلك بوتيرة متسارعة؛ عشية مؤتمر واشنطن «للسلام»؛ الذي يعمل أولمرت وحكومته على تكبيله بالوقائع العنيدة على الأرض وبالشروط المسبقة.

بل بالنتائج المسبقة، التي لا تترك منه إلا الاسم. في هذه اللحظة التي تحتاج إلى مضافرة كافة الجهود والأوراق وسد ما أمكن من الفجوات والثغرات في الجدار الوطني الفلسطيني، تقوم القوى القادرة على هذه الساحة بما يشبه الاستعداد للمنازلة. ومتى؟ بالذات في يوم عيد الفطر المبارك. وكانت هي نفسها قد سبق لها قبل أسابيع قليلة، أن أقحمت صلاة الجمعة في معمعة خلافاتها السياسية.

إن نسف كل الجسور إلى هذا الحد، بين المختلفين، له نتيجة واحدة مضمونة: تقديم المزيد من الذخيرة لإسرائيل كي تواصل، بل ترفع من وتيرة، سياسة الابتلاع للحقوق الفلسطينية؛ من خلال توظيف هذا التآكل الداخلي المفجع لمصلحتها. وهو توظيف تتوالى تجلياته في مواقف حكومة أولمرت كما في الخطوات التي تتخذها على الأرض وبذلك لن يكون هناك رابح فلسطيني مهما توهم الربح، ليس ذلك فحسب بل لن يكون هناك من يقدر على التنصل من المسؤولية.