تعجبني القواميس الاختصاصية التي أخذت تصدرها المكتبة الفرنسية في السنوات الأخيرة. فهناك قاموس لعلم النفس والتحليل النفسي، وقاموس لعلم الاجتماع، وقاموس لعلم التاريخ، وقاموس للمصطلحات الفلسفية، وقاموس للفلاسفة الكبار، وقاموس لعلم اللغة أو الألسنيات، وقاموس للعلوم السياسية، الخ... وكل هذه القواميس تقدم لك المصطلحات الأساسية لكل علم وتشرحها بطريقة واضحة منظمة، وتشكل بذلك مراجع للباحثين والطلاب والأساتذة على حد سواء.
ويتحسّر المرء على واقعنا الثقافي المحروم من ذلك ويتمنى لو أن لغتنا العربية تحظى يوماً ما بمثل هذه القواميس الاختصاصية التي تشمل شتى مجالات المعرفة البشرية. سوف أتحدث اليوم عن قاموس المصطلحات الأخلاقية الصادر عن المطبوعات الجامعية الفرنسية والذي يبلغ 1720 صفحة من القطع الكبير. وقد ساهم فيه عشرات الباحثين والاختصاصيين.
فكل واحد تكفَّل بإنجاز مادة أو أكثر من مواده. نذكر من بينهم جاك برونشينغ الأستاذ في جامعة السوربون (باريس الأولى). وهو مختص أساساً بفلسفة أرسطو والمرحلة اليونانية. وقد كتب مادة »الرواقية القديمة« وشرح كيفية تصور هذه المدرسة الفلسفية للأخلاق. وهي مدرسة فلسفية عقلانية تنصح بالصبر على الشدائد والشجاعة في مواجهة المحن أيا تكن. ولا تخاف من أية مصيبة مهما كبرت بل وترحب بها عن طيب خاطر، ومن أشهر فلاسفتها زينون وهيراقليطس.
والشخص الرواقي صلب لا يضعف أمام الانتكاسات ومتاعب الوجود. ونذكر أيضاً الباحث شارل بترورث، وهو أستاذ في جامعة ماريلاند بالولايات المتحدة الأميركية ومختص بالدراسات العربية والإسلامية وقد كتب مادة »إسلام«. وشرح التصور الإسلامي لعلم الأخلاق. والباحث المذكور مختص بفلسفة ابن رشد والفارابي والرازي وابن ميمون. ونذكر أيضاً الباحثة آن شينغ المختصة بالفكر الصيني. وهي الآن أستاذة في المعهد القومي للغات والحضارات الشرقية بباريس. ومن أهم كتبها: تاريخ الفلسفة الصينية.
وقد كتبت المادة المتعلقة بفيلسوف الصين الأكبر: كونفوشيوس.وشرحت مفهومه للأخلاق ايضا. وأما مادة الفضيلة، وهي أساس علم الأخلاق، فقد كتبها الباحث الإنجليزي نيكولاس دينت وهو الآن أستاذ الفلسفة في جامعة بيرمنغهام. ومن أهم كتبه: النفسية الأخلاقية للفضائل (1984)، وكتاب عن جان جاك روسو بعنوان: روسو (1988)، وقاموس روسو (1922).
وأما مادة »أرسطو«، وهو احد كبار فلاسفة الأخلاق بل ومؤسسها في العصور القديمة، فقد كتبها جان لويس لاباريير، الباحث في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية. وأما مادة »الغفران«، وهي إحدى الفضائل الأخلاقية الأساسية للإنسان لأنها مضادة للانتقام، فقد كتبها جان إيف لاكوست، الأستاذ في جامعة توبنجين في ألمانيا. وهو الذي أشرف سابقاً على إصدار قاموس ضخم ومهم عن علم اللاهوت الديني (1998).
ويمكن أن أكثر من ضرب الأمثلة إلى ما لانهاية.. هكذا نلاحظ أنه ساهم في تأليف هذا القاموس الاختصاصي عشرات الباحثين ليس فقط في الجامعات الفرنسية، وإنما أيضاً في الجامعات الأوروبية والأميركية. وهكذا نجد أننا دخلنا فعلاً في عصر العولمة الفكرية.
فلم تعد هناك من حدود تفصل بين الباحثين والعلماء والجامعات والبلدان فالباحث الفرنسي قد يصبح أستاذاً في جامعة ألمانية أو أميركية والعكس صحيح ايضا... لم تعد القوميات تفصل بين الباحثين كما كان عليه الحال حتى أمد قريب.
وتخيلت عندئذ المشروع التالي: لماذا لا نؤلف قاموساً اختصاصياً في الفلسفة الأخلاقية، او في علم الاجتماع، أو في أي موضوع آخر، ويساهم فيه مختلف الباحثين العرب من المغرب والمشرق على حد سواء؟ عندئذ تلتقي الأقلام التونسية، والجزائرية، والمصرية، والسعودية، والسورية، واللبنانية، والخليجية، والسودانية، واليمنية، والليبية، الخ... في مجلد واحد، أو موسوعة واحدة.
وعندئذ يحصل توحيد للمصطلحات العلمية والفلسفية المترجمة من اللغات الأجنبية الى اللغة العربية. أما الآن فكل واحد يترجم المصطلح على هواه الى درجة اننا أصبحنا نعاني من فوضى المصطلحات والمفاهيم. لماذا لا نفكر بتشكيل العولمة العربية على المستوى الثقافي والفكري؟ لكن لنعد إلى موضوعنا الأساسي الخاص بقاموس الفلسفة الأخلاقية.
يقول المشرفون عليه في المقدمة: إن قاموس الأخلاق والفلسفة الأخلاقية صُمّم منذ البداية على أساس أنه مرجع للدارسين والباحثين. فالمسائل الأخلاقية تهمّ الجميع، وإن بدرجات متفاوتة. ولكنه موجه أيضاً إلى مجمل الجمهور المثقف والعريض الذي أصبح قلقاً على الأخلاق في العالم المعاصر.
فلم تعد هناك ثوابت أخلاقية في المجتمعات الغربية التي دخلت مرحلة الإباحية تقريبا من كثرة الحريات التي لا تعرف ان تقف عند حد. وأما في العالم الإسلامي، فعلى العكس، تبدو الأخلاق قمعية او قسرية إكراهية اكثر من اللزوم. وهكذا انتقلنا من النقيض الى النقيض في حين انه خير الأمور أوساطها.
ويشتمل القاموس على 293 مادة، وكل مادة تستغرق عدة صفحات، وهي متفاوتة الطول بطبيعة الحال. وقد ساهم في كتابتها ما لا يقل عن 250 باحثا وأستاذا جامعيا، معظمهم فرنسيون. ولكن فيهم أيضاً انجليز، وأميركان، وألمان، وإيطاليون. وهم من خيرة المختصين في الشؤون الأخلاقية.
سوف أفتح القاموس على حرف الهاء، مادة هابرماس، فماذا أجد؟ أجد مقالة من ثلاث صفحات عن الفيلسوف الألماني الشهير، وهي تستعرض تصوره لعلم الأخلاق والفلسفة الأخلاقية. وقد كتبتها الباحثة آن فورتان ميكيفيك، وهي أستاذة علم اللاهوت في جامعة لافال بكيبيك في كندا.
تقول الباحثة: إن عرض المحاور الأساسية لأخلاقية المناقشة والحوار التواصلي لهابرماس يتجاوز إطار النظرية الأخلاقية أو الفلسفة الأخلاقية. وذلك لأن نظرية هابرماس تنطوي على المناقشات المعاصرة الخاصة بالنظرية الفلسفية للغة، وبالنظريات النفسانية المتعلقة بالنمو الأخلاقي، وبالنظريات السوسيولوجية والفلسفية للحداثة. وأهم الكتب التي أصدرها هابرماس عن الفلسفة الأخلاقية هي التالية: الأخلاق والتواصل (1986)، أخلاقية المناقشة الحوارية (1992)، كتابات سياسية (1990).
ويهدف هابرماس من وراء بلورته لأخلاقية المناقشة الحوارية أو الديمقراطية إلى تجاوز تيارين اثنين: تيار النزعة الكونية التجريدية، وتيار النزعة النسبوية، بل وحتى العدمية، لفوكو وجماعته.
وتعتبر نظرية هابرماس الآن من أهم النظريات الفلسفية والأخلاقية ليس فقط في ألمانيا أو أوروبا وإنما أيضاً في أميركا وجميع أنحاء الغرب الحديث. وذلك لانها أعادت الى العقل الغربي التنويري الثقة بنفسه بعد ان تعرض لهجمات موجعة من قبل فلاسفة ما بعد الحداثة الذين لا يريدون فقط تجاوز الحداثة الى ما بعدها وانما تدميرها ايضا. ومن أشهرهم فوكو ودريدا وجان فرانسوا ليوتار وبقية النيتشويين والعدميين الفرنسيين.
سوف أفتح القاموس الآن على مادة »البراغماتية« أو ما نترجمه عادة بالفلسفة الذرائعية أو المنفعية أو العملية. وهي الفلسفة الشائعة في أميركا. وقد كتبت المادة الباحثة الأميركية روث آنا بوتنام، الأستاذة في جامعة ماساشوست. وتقول الباحثة منذ البداية: إن البراغماتية هي حركة فلسفية أكثر مما هي مجموعة من العقائد والأفكار. وأهم ممثليها شارل بيرس (1839-1914)، وويليام جيمس (1842-1910)، وجون ديوي (1859-1952).
وكان ديوي قد عرَّف البراغماتية على النحو التالي: إن الفعل والممارسة لا يمكن تبريرهما إلا ضمن مقياس أنهما يجعلان الحياة أكثر عقلانية ويزيدان من قيمتها... والشيء الذي نركز عليه أكثر من غيره هو اعتبار الذكاء المصدر الوحيد والضامن الوحيد لمستقبل مرغوب ومشرق وسعيد.
ثم يختتم ديوي مقالته على النحو التالي: كلما أدركنا مدى ما يضيفه الذكاء إلى كرامة الإنسان وبهجة الحياة، كلما أسفنا لأنه محصور بنخبة مغلقة على نفسها وتقنيّة. ونحن نهدف إلى تعميم العقلانية الذكية لكي يتحلى بها أكبر عدد ممكن من البشر... كان ديوي متفائلاً بمستقبل البشرية إذا ما اتبعت طريق العلم والعقل وتخلت عن التعصب والتطرف والجهل. وقد تغنّى كثيراً بالمثل العليا الإنسانية، والتقدمية، والمستنيرة. بهذا المعنى فهو أحد المؤسسين لعلم التربية والأخلاق في أميركا.
سوف أفتح القاموس الآن لا على التعيين فأقع على مادة »العقلانية«. وقد كتبها جان بيير دوبوي، أستاذ الفلسفة الاجتماعية والسياسية في مدرسة بوليتيكنيك بباريس، وفي جامعة ستانفورد. يقول هذا الباحث تحت عنوان: الأخلاق والعقلانية: نادراً أن تجتمع المصلحة والأخلاق في آن معاً. فكثيراً ما نتبع مصلحتنا ونضرب عرض الحائط بالقيم الأخلاقية. ولكن البحث المعاصر يميل إلى التوفيق بين المصلحة الشخصية والأخلاق.
وهذا تصور واقعي للأمور. فنحن لا نستطيع أن نطالب الشخص بإهمال مصلحته الشخصية كلياً من أجل تنفيذ الأعمال الأخلاقية. فهذا مطلب مثالي جداً أو غير واقعي على الإطلاق. ومن السهل أن نتغنَّى بالمثاليات...ولكن يمكنه ان يحقق مصلحته الشخصية دون ان يحتقر المصلحة العامة او يدوس على القيم الأخلاقية. وهذا ما هو حاصل في المجتمعات المتقدمة والحضارية. فالفرد هناك يهتم بالمصلحة العامة وكأنها مصلحته الشخصية.
سوف أنتقل الآن إلى مادة »العلاقات الدولية« وقد كتبها الباحث آلان روجيه، أستاذ الفلسفة في جامعة باسكال بفرنسا والسؤال المطروح هنا هو التالي: هل هناك علاقة بين العلاقات الدولية والأخلاق، أم أنها قائمة على العنف وموازين القوى فقط؟ يرى الباحث أن هناك موقفين متطرفين من هذه المسألة: موقف كانط، وموقف ماكيافيلي. فكانط كان مثالياً وأخلاقياً جداً. وكان يريد أن يؤسس السياسة الدولية على قاعدة أخلاقية لمنع اندلاع الحروب بين الأمم. وأما ماكيافيلي فكان يقول: لا معنى لأن تكون طيباً في وسط عالم مليء بالأشرار. ففي عالم الذئاب ينبغي أن تكون ذئباً، وإلا أكلتك الذئاب.
يرى الباحث أنه بين هذين الموقفين المتطرفين، الأول في مثاليته، والثاني في وقاحته الفجة، هناك موقف ثالث معتدل. وبالتالي فبإمكانك أن تكون واقعياً في السياسة الدولية وأخلاقياً إلى حد ما في ذات الوقت. فالانتصار ليس دائماً لصالح الأشرار والعدوانيين. والدليل على ذلك ما حصل لهتلر، وموسوليني، وبقية المتهورين والطائشين في مجال السياسة والعلاقات الدولية. صحيح أنهم أرهبوا الناس في البداية بسبب عدوانيتهم وميلهم للشر، ولكنهم انتهوا نهاية سيئة في خاتمة المطاف.
وبالتالي فليس صحيحاً القول إن السياسة الدولية لا علاقة لها بالمبادئ والأخلاق. وليس صحيحاً بأنها قائمة فقط على العلاقات المثالية ومجردة من المنافع والمصالح وموازين القوى. وإنما هي واقعية وأخلاقية في آن معاً. وخير الأمور أوسطها. سوف أنتقل أخيراً إلى مادة بعنوان »الخير والشر« وهما أساس الفلسفة الأخلاقية. وقد كتبها رودريك شيشلوم، الأستاذ في العديد من الجامعات الأميركية والأوروبية. ومن أهم كتبه: »الواقعية وخلفية الفلسفة الظاهراتية« (1960)، ونظرية المعرفة (1967).
وفي بداية مقالته عن الخير والشر يستشهد بأرسطو الذي قال بوجود نوعين من الخير. فهناك أفعال تمثل الخير في ذاته، وأفعال ليست خيّرة إلا بالقياس إلى الأولى. لكن ما هي الأشياء الخيّرة فعلاً؟ إنها أولاً المعرفة، والفعالية الفكرية، ثم السعادة والمتعة، ثم المحبة والشفقة، ثم أداء الواجب على أفضل وجه، ثم الجمال، ثم النظام والعدالة.
وأما الأشياء الشريرة فهي ما يعاكس ذلك: أي الجهل المتعمد، الألم والتعاسة، الحقد والشر، الإخلال بالواجب، القبح، الفوضى والظلم... ثم عرف أرسطو الفضيلة على أساس أنها حد وسط بين قطبين متطرفين. فالشجاعة مثلا هي حد وسط بين التهور والجبن. والكرم هو حد وسط بين الإسراف والبخل الخ.. والأخلاق الإسلامية هي أيضاً أخلاق وسطية سمحة تكره التطرف والعنف.
جاء في الذكر الحكيم: »وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا« البقرة 143. لهذا السبب تبنى مفكرو الإسلام نظرية أرسطو وأفلاطون عن الأخلاق بسهولة. انظر كتاب تهذيب الأخلاق لمسكويه. فهو مثال ناجح على التوفيق بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق المبلورة طبقا لمنظور افلاطون وارسطو. عندئذ استطاع فلاسفتنا ان يحققوا المصالحة بين الإسلام والعقل بشكل رائع.
في ختام هذه المقالة لا يسعني إلا أن أقول: كنت أتمنى لو أستطيع التحدث عن المواد الأخرى في هذا القاموس الكبير. وأضرب مثلاً مادة: الديمقراطية، والكرامة، والواجب، وغاندي، وفوكو، وأفلاطون، وهيدغر، والحرب والسلام، وتاريخ الفلسفة الأخلاقية، الخ... ولكني قدمت من الأمثلة بما فيه الكفاية للدلالة على مدى أهمية مثل هذه القواميس الاختصاصية الرفيعة المستوى. فهل سيتحرك المثقفون العرب لتزويد المكتبة العربية بأمثالها؟
كاتب سوري - باريس