بعد مد استمر ثلاث سنوات عادت حركة التغيير في مصر إلى جزر مؤقت، استعادت فيه السلطة زمام الأمر، واستردت المساحات الضيقة التي وطأتها أقدام من ضغطوا من أجل الحراك السياسي، والتحسن الاقتصادي والاجتماعي، لتدخل البلاد في حال من الترقب الحذر، والسكون الذي قد يسبق العاصفة، تقطعه احتجاجات صغيرة متناثرة، ولأسباب مهنية وحياتية خاصة، مثل تلك التي يقوم بها العمال، أو سكان المناطق العشوائية، والفلاحون، المغبونون من الآثار التي ترتبت على القانون الجديد الذي يعيد تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر.
أما الحركات والقوى التي تروم التغيير العام والشامل فدخلت في »استراحة محارب«، أو »بيات شتوي« لتلتقط أنفاسها المبهورة، وتلملم أشلاءها المبعثرة، لتبحث عن وسائل جديدة وأكثر فاعلية للضغط على السلطة من أجل تحقيق قدر من الإصلاح الشامل، يليق بمصر والمصريين.
وعلى جوانب هذه الوضع، الذي يجمع بين خمود مؤقت وفورة كامنة، يدور جدل النخبة والناس على حد سواء حول ثلاثة مسارات زمنية أساسية، تتعلق بما جرى وما يجري وما سيجري، في لحظة تقييم يقوم بها الطرفان المتنافسان، حكومة ومعارضة، من أجل أن يحقق كل منهما ما يصبو إليه، السلطة إلى معادلة »الاستقرار والاستمرار« والمعارضة إلى معركة »التغيير الشامل« الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام تداول السلطة وممارسة الحريات العامة على أفضل صورة ممكنة، وأوسع نطاق متاح.
وهذا التنافس على الزمن لا يدور في فراغ إنما يستند في أخذه ورده إلى وقائع محددة، ودلائل مادية دامغة، أو قضايا حياتية جلية، يقدمها كل طرف ليبرهن على سلامة موقفه، وعدالة رغبته في الانتصار السياسي بجذب الجماهير الغفيرة إليه، وتحجيم التفافها حول المنافس. ويأمل كل من هذين الطرفين غير المتكافئين على أن تميل الكتلة الصامتة إليه، والتي يحدد موقفها والاتجاه الذي يأخذه تحركها، إن خرجت عن ركودها وركونها، شكل مصر في المستقبل المنظور.
وهنا تطل العديد من القضايا والمسائل الجارية برأسها التي تهتز بعنف أمام أعين الجميع، فترى السلطة فيها إنجازات عريضة ونجاحات مظفرة، وتراها المعارضة إخفاقات كبيرة. ويقدم كل طرف الأرقام والأسانيد التي تبرهن على صدق وجهة نظره، في تحمس ظاهر، لا يقف فيه الطرفان جيدا أمام تضارب البيانات، وتناقض المعلومات، وتضاد الأرقام وعدم انسجامها مع ما قبلها، ولا مع الواقع الذي نعيشه يوما بيوم. لكن المعارضة تجد لمنطقها آذانا مصغية، نظرا لأن حديث الحكومة عن النجاح المتواصل لا يشعر به الناس في حياتهم.
بينما يحسون جيدا بخطاب المعارضين عن المشكلات المتراكمة، والأزمات المتلاحقة، والتراجعات الظاهرة للعيان، في العديد من مجالات السياسة العامة، وفي مطلعها الصحة والتعليم والإسكان والمرور وضبط حركة السلع وأسعارها وتوفير الأمن الاجتماعي وتسريع حركة التقاضي، وإيقاف ما يترتب على القوانين الاستثنائية من جور على حقوق الإنسان، وهضم لمصالحهم، ونيل من كرامتهم، وحجر على مستقبلهم.
ووسط هذه التلال العالية الثقيلة من المشكلات تقف الحركة السياسية المصرية حاليا بين شد وجذب، فالسلطة تريد أن تؤسس على استعادتها لزمام الأمور ترتيبا مختلفا للحكم لم تعرفه مصر منذ ثورة يوليو 1952، لكنها تخشى من عدم قدرتها على تحقيق شعبية لهذا الخيار السياسي.
ولأنها تنفر من سياسة الصدمات التي يمكن أن تفضي إلى نتائج عكسية، فنجدها تتدرج في هذا الترتيب، وتمهد له دستوريا وقانونيا ووسط النخبة البيروقراطية والاقتصادية التي يصنعها أهل الحكم على عيونهم، وعلى أطراف الكتلة الجماهير الممتعضة والمترقبة في صمت مريب، لكنها لا تضمن لهذا الترتيب ـ حتى الآن ـ نجاحا شافيا كافيا، أو دربا معبدا ووسيعا إلى محطة الأمان والاطمئنان.
والمعارضة تريد أن تؤسس على احتجاجاتها متعددة الأحجام والألوان التي شهدتها السنوات الأخيرة طريقا مختلفة، تنكسر فيه العديد من الخطوط الحمراء، وتنتزع فيه بعض الحريات العامة، وفي مطلعها حرية التعبير، وتخرج فيه مصر من دائرة المراوحة بين الشمولية السياسية والديمقراطية الشكلية التي لا تعرف سوى الحزب الواحد والزعيم الأوحد. كما تريد المعارضة أن تستجلب للإصلاح مدافعين أشداء، يشكلون جبهة قوية متماسكة، يكون بوسعها أن تحدث كوة كبيرة في جدار الجمود السياسي، تتسع يوما بعد يوم، حتى ينهار تماما.
مثل هذا الوضع يجعل الحياة لا تزال تدب في شرايين عملية الإصلاح في مصر، رغم الجهود القاسية التي بذلت من أجل تمويتها بالسكتة السياسية، والتي أدت في حقيقة الأمر إلى إعاقتها مؤقتا. فالسلطة لم تفلح في إبداع بدائل قوية وراسخة وقادرة على الاستمرار، ولم تعن كثيرا بالحكمة ذائعة الصيت التي تقول »الكبت يولد الانفجار«.
ووضعت كل تفكيرها والإمكانيات المادية المتاحة لها في خدمة رؤية قصيرة الأمد، ضيقة الأفق، تقوم على الالتفاف على مطالب الإصلاح، بتعديلات دستورية، أخذت أكثر مما أعطت، وخطاب جديد حول إنجازات صعب تحققها مثل بناء ألف مصنع، وتوظيف ما يربو على أربعة ملايين عاطل، وتطبيق وثيقة للمواطنة تنطوي على العديد من الحقوق، التي تم هضمها، والالتزامات التي تخلت عنها الدولة تدريجيا.
وعلى الضفة الأخرى لم تمتلك قوى الإصلاح ـ حتى الآن ـ وسائل قوية قادرة على إحباط نظيرتها التي بيد السلطة، فتكتفي برفع الشعارات والإبقاء على جذوة التغيير مشتعلة تحت ركام الرماد، في ظل حرص الكثيرين على الإمساك بالعصا من المنتصف في تقية جزئية تقوم على المزاوجة بين تعبئة الناس حول الإصلاح وحض السلطان على ضرورة تحقيقه، ومحاولة إقناعه أن هذا هو المسار الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البلاد مما آلت إليه، ويضمن لها مستقبلا بين الأمم في مشارق الأرض ومغاربها.
وفي ظل مثل هذا الظرف التاريخي الذي يقوم على أكتاف سلطة قابضة تضع سياسات على مقاسها وتسميها إصلاحا، ومعارضة منفرطة عاجزة عن أن تشكل بديلا حقيقيا يطمئن إليه الناس، تصبح سيناريوهات المستقبل في مصر محملة ومشبعة بالاحتمالات والتكهنات والتخمينات والهواجس والمطامع والمطامح، فلا من يريد البقاء ممسكا بزمام الأمور يعمل ما يحقق له هذا الهدف على المدى الطويل، ولا من يريد التغيير يملك الأدوات الكافية التي تؤهله لتحويل دفة التحرك الاجتماعي في اتجاه يبتعد بالبلاد عن الفوضى أو الاستسلام والرضوخ الكامل للوضع الراهن، أو الاكتفاء بانتظار قدر سياسي لا يتوقعه كثيرون تثب بمقتضاه إلى ناصية القرار نخبة مؤمنة إيمانا صادقا لا يتزعزع بالديمقراطية الحقيقية.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة