أثيرت في الأسابيع القليلة الماضية في الأوساط الإعلامية الإماراتية قضايا مصيرية وجوهرية تتعلق بحبس الصحافيين ومشروع قانون النشر والمطبوعات وصدور ميثاق الشرف وأخلاقيات المهنة. قضايا محورية واستراتيجية في العمل الإعلامي المسؤول والنزيه والمستقل والحر.

فإذا بدأنا بإشكالية حبس الصحافيين فالقضية قديمة قدم الممارسة الإعلامية عبر التاريخ والعصور، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل يجوز حبس الصحافي ومعاملته في قضايا النشر والرأي كأي شخص آخر في المجتمع؟ فقضايا النشر والرأي تختلف في الواقع عن باقي الجنح والمخالفات التي يرتكبها الأفراد الجانحون. فلا يُعقل مثلا أن يُحاكم الصحافي بنفس منطق وفي نفس قاعة محاكمة القاتل أو المجرم أو اللص. جريمة النشر تختلف في طبيعتها ومضمونها ومحتواها عن باقي الجنح والمخالفات في المجتمع.

فطبيعة العمل الصحافي ومهنة الصحافة تختلف جذريا عن باقي المهن والوظائف في المجتمع. فالمؤسسة الإعلامية في المجتمع هي مؤسسة اجتماعية تقوم بوظائف الإخبار والإبلاغ والإعلام والتربية والتوعية والتثقيف والترفيه والتسلية ونقل التراث والتاريخ والذاكرة الجماعية للمجتمع من جيل إلى آخر. عدم حبس الصحافي لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذا الأخير فوق القانون وهو محصن ويستطيع أن يفعل ما يشاء.

لا، الصحافي مثله مثل أي فرد في المجتمع يخضع للقانون ويمتثل للوائح التنظيمية والتشريعية والقانونية التي تُقنن وتُنظم مهنة الصحافة. فالعمل الإعلامي يحكمه قانون النشر والمطبوعات وميثاق الشرف والضمير المهني للصحافي الذي يُعتبر مؤرخ المجتمع وشاهد عيان زمانه.

والعين الساهرة على ما يدور فيه من إيجابيات وسلبيات، وناقل أحداث وقضايا وهموم المجتمع إلى الجمهور للتعرف عليها. بل أكثر من ذلك فإنه يقوم بمراقبة السلطة التنفيذية وغيرها من السلطات والمؤسسات في المجتمع إذا تجاوزت حدودها وخرجت عن المصلحة العامة وتحايلت على القانون.

العمل الإعلامي بحاجة إلى قانون واضح المعالم ينظم مهنة الصحافة في علاقتها بالسلطة، ويحدد علاقة المؤسسة الإعلامية بمصادر الأخبار وبمختلف المؤسسات في المجتمع، كما يحدد علاقة الصحافي بمؤسسته وبمصادر أخباره.

وقانون الإعلام يجب أن يساير التطورات التي تحدث في المجتمع وعلى المستوى العالمي ويجب أن يضمن حق الفرد في المعرفة وحق الصحافي في الوصول إلى مصادر الأخبار، وكذلك حق الجمهور والمؤسسات المختلفة في المجتمع أن تحظى بتغطية إعلامية شاملة ووافية ومسؤولة، نزيهة وموضوعية بعيدة عن القذف والتشهير والتلاعب.

قانون الإعلام من شأنه كذلك أن يحمي مهنة الصحافة من الانتهازيين ومن الاستغلاليين الذين يريدون توظيف الإعلام من أجل التسبيح والمدح وإبراز الإيجابيات وإخفاء السلبيات، واستعمال الإعلام للتلاعب بعقول الجماهير وتشكيل الرأي العام في الاتجاه الذي تريده القوى الفاعلة في المجتمع. كما يهدف قانون الإعلام إلى حماية المهنة من سلطة أصحاب المال والسياسيين الذين يتهافتون على المؤسسة الإعلامية من أجل الظهور الإعلامي والعلنية بهدف التحكم في الخطاب الإعلامي وبذلك التحكم في الرأي العام.

فالقانون يجب أن يكفل للصحافة حرية الفكر والرأي والتعبير والنقد والحق في الوصول إلى مصادر الأخبار ونشر الحقيقة كما هي وليس كما يريدها البعض. من أهداف قانون الإعلام كذلك حماية الصحافة من تدخل وضغوط الحكومة وحظر على أي جهة حكومية فرض رقابة مسبقة أو لاحقة والتدخل الحكومي في شؤون المؤسسة الإعلامية وكيفية أداء مهامها. هذا يعني أن الممارسة الإعلامية السليمة والمسؤولة والفاعلة والناجحة في المجتمع بحاجة إلى مجتمع يؤمن ويمارس مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء.

مقترحات قانون النشر والمطبوعات الجديد في دولة الإمارات العربية المتحدة،التي نشرتها جريدة البيان في عددها 9968 بتاريخ 3 أكتوبر 2007، ركزت على الاستقلالية التامة للمؤسسة الإعلامية بدون رقابة حكومية مسبقة أو لاحقة على العمل الصحافي. كما تنص المادة الثانية من المشروع على ضمان حرية الرأي والفكر والتعبير.

كما تطرق القانون إلى حظر قبول تبرعات أو إعانات للصحيفة والصحافي. وهنا يجب التأكيد على استقلالية العمل الإعلامي واستقلالية الصحافي وعدم خضوعه لأي إغراءات مادية أو إلى أي نوع من الرشوة. فالصحافي هو ضمير المجتمع وهو الملاحظ والمتتبع والشاهد والناقد، الأمر الذي يلزمه بالتحلى بالموضوعية والمسؤولية والنزاهة من أجل الكشف عن الحقيقة والوصول إليها.

من جهة أخرى شهدت الساحة الإعلامية الإماراتية حدثا تاريخيا هاما وهو صدور ميثاق الشرف الصحافي وأخلاقيات المهنة والذي جاء بعد أيام قلائل من قرار إلغاء حبس الصحافيين الذي اتخذه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

ميثاق الشرف هو مجموعة من المبادئ والقيم يتفق عليها المهنيون في حقل الصحافة حتى يصونوا أنفسهم ومهنتهم وعملهم من أي مشكلات أخلاقية وأي انزلاقات وأي تلاعبات من شأنها أن تسيء للصحافي ولمهنة الصحافة. فالأمر هنا يتعلق بأهمية مهنة الصحافة ودورها الاستراتيجي والحساس في المجتمع. فالصحافي بعمله اليومي يقوم بإخبار وإبلاغ المجتمع بما يحدث وبذلك فإنه يساهم في تشكيل الرأي العام وتقديم الصورة الحقيقية وليس الصورة المفبركة عن المجتمع.

وهذا يعني أن على الصحافي أن يلتزم بأخلاقيات المهنة وأن يلتزم بالحرفية اللازمة لمراقبة الهيئة التنفيذية في المجتمع وباقي المؤسسات في المجتمع حتى لا تحيد عن عملها وأدائها لمهامها وواجباتها حسب القانون والقيم والمبادئ التي يقوم عليها المجتمع.

وتأتي أهمية ميثاق الشرف الصحافي وأخلاقيات المهنة لضمان التزام الصحافي بمسؤوليته ورسالته أمام المجتمع بدون أن ينحاز لطرف ضد طرف آخر وبدون أن يتجاهل بعض الأحداث والأخبار ويضخم البعض الآخر، أو يغيّب الحقيقة عن الرأي العام.

فالهدف النبيل للصحافي هو أن ينحاز إلى الحقيقة لا غير وأن يعمل ليل نهار في إطار القانون، وأخلاقيات المهنة للوصول إلى الحقيقة وتقديمها لأفراد المجتمع. إن السكوت عن الحقيقة وإخفائها يعتبر جريمة كبيرة في حق الرأي العام والمجتمع. فليس من حق الصحافي أن يركز على قضايا ويتناسى قضايا أخرى، وليس من حقه كذلك التلاعب بالمعلومات وممارسة التشويه والتضليل من أجل إرضاء جهة معينة أو أطراف معينة على حساب الحقيقة والرأي العام.

فميثاق الشرف الصحافي وأخلاقيات المهنة الذي وقعه رؤساء تحرير المؤسسات الإعلامية في دولة الإمارات الأسبوع الماضي جاء كرد الجميل وكاستجابة لمبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لما قدمه من جميل للأسرة الإعلامية عندما اتخذ قرارا بإلغاء حبس الصحافيين.

ما يمكن قوله هو أن الفضاء القانوني والتشريعي والأخلاقي للممارسة الإعلامية المسؤولة والمحترفة والنزيهة والشريفة في دولة الإمارات العربية المتحدة قد اكتمل، يبقى الآن البرهان في الميدان. فالكرة في ملعب الصحافيين للتخلص من كابوس الرقابة الذاتية وتوديع ظاهرة العزوف عن القضايا المصيرية والحساسة وكذلك التخلص من التركيز على القضايا الهامشية وعلى ثقافة التبجيل والتسبيح.

بمشروع قانون النشر والمطبوعات الجديد، وبصدور ميثاق الشرف الصحافي وأخلاقيات المهنة، وبإلغاء حبس الصحافيين تدخل الصحافة الإماراتية عهدا جديدا يبّشر بالخير ومن شأنه أن يؤهل الصحافة الإماراتية لتواكب التطورات الكبيرة التي تعرفها دولة الإمارات العربية المتحدة في مختلف المجالات.

فالنجاح بحاجة إلى إعلام قوي وفعال ومسؤول وملتزم ونزيه، وأي سلطة مسؤولة تؤمن بالديمقراطية وتحترم الحريات الفردية وحرية الفكر والتعبير والرأي والشفافية ومشاركة الرأي العام في صناعة القرار بحاجة إلى إعلام قوي، حر، ملتزم ومسؤول.

أستاذ الإعلام، جامعة الشارقة