تعيش الساحة اليمنية حالة من الحراك السياسي هي اقرب إلى الجدال منها للحوار، هذه الحالة سببها المبادرة التي أعلن الرئيس علي عبد الله صالح مؤخرا، والتي يقترح فيها تحويل النظام البرلماني الرئاسي إلى نظام رئاسي ضمن منظومة من التعديلات الدستورية تشمل جملة تعديلات تتعلق بالحياة البرلمانية والسياسية بشكل عام على أن ما يلفت النظر في أمر هذه المبادرة ليس ما تضمنته المبادرة من مقترحات وإنما الطريقة التي أطلقت بها، حيث سبق إعلان الرئيس علي عبد الله صالح عن المبادرة دعوة توجه بها إلى قادة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني إلى أمسية رمضانية حوارية ودية.

وقبيل اليوم المحدد لهذه الأمسية فاجأتنا وسائل الإعلام الرسمية التابعة لحزب المؤتمر الشعبي العام بأخبار وأحاديث جعلت من الأمسية التي كان ينبغي أن تكون جلسة لتصفية النفوس وكأنها جلسة لحوار جديد بين الأحزاب ضمن أجنده تختلف تماما عن أجندة الحوار الذي كان قائما بين أحزاب المعارضة الرئيسية والحزب الحاكم – رغم انه كان متوقفا أصلا – عندها شعرت تلك الأحزاب بأنه غرر بها وانه يراد من هذه الأمسية جرهم إلى مواقف هم غير موافقين عليها.

أو على الأقل غير مستعدين لتقرير موقف محدد حيالها فقررت رفض دعوة الرئيس التي كانت قبلتها ولم تحضر الأمسية، وظهرا جليا أن هناك داخل حزب المؤتمر الشعبي العام من لا يعجبه أن تلتقي القوى اليمنية على كلمة سواء فسرب أخبار ما سيدور في هذه الأمسية لعلمه يقينا أن أحزاب المعارضة الرئيسية سترفض الدعوة.

على كل حال أطلق الرئيس علي عبد الله صالح مبادرته التي لم تتضمن شيئا جديدا عما تضمنه برنامجه الانتخابي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية العام الماضي وفاز بأغلبية 77 بالمئة من أصوات الذين شاركوا في تلك الانتخابات. ولعل أهم ما في هذه المبادرة هو تعديل جوهر نظام الحكم في اليمن من شكله الحالي إلى نظام رئاسي وهذا الأمر ليس بجديد.

كما انه ليس مطلب الحزب الحاكم وحده بقدر ما كان مطلبا للقوى المعارضة ومنذ زمن بعيد وأذكر أن الأستاذ نصر طه مصطفى – احد ابرز مفكري الحزب الحاكم حاليا- كان قد طالب في 1997 – عندما كان ابرز منظري حزب الإصلاح المعارض- بإلغاء رئاسة الوزراء وان يتولى الرئيس كل المهام كي لا تضيع السلطات وكي يمكن تحديد المسؤوليات وبالتالي يمكن محاسبة المقصرين.

ثم انه في العام 2005 تقدمت أحزاب المعارضة الرئيسية بمشروع للإصلاح السياسي لا يختلف في جوهره عن المبادرة التي أطلقها الرئيس مؤخرا.

ما يثير الحيرة في الأمر كله هو هذا التناقض الواضح بين ما ينادي به الرئيس وحزب المؤتمر الشعبي العام وما يمارسونه عمليا. فالجميع يقول ان ما طرحه الرئيس مجرد مبادرة لا تلزم إلا حزبه الحاكم وهي قابله للنقاش والحوار مع الجميع ومن حق أي كان أن يقبلها أو يرفضها وان الكلمة الأخيرة في الأمر كله ستكون للشعب الذي سيقرر إما بشكل مباشر أو عبر نوابه في البرلمان قبول أو رفض هذه المبادرة ومع ذلك نجد الحزب الحاكم وإعلامه يشن حملة شعواء قاسية ومؤلمه بل وغير مبرره على أحزاب المعارضة الرئيسية »أحزاب اللقاء المشترك« وصلت حد اتهامها بالعمالة والخيانة وعدم الاهتمام بمصلحة الوطن.. لا لشيء إلا لأنها أعلنت موقفا رافضا للمبادرة.

فأين حرية التعبير وأين الحق في الاختلاف وأين التعددية إذا كانت الخيانة وبيع الوطن هي التهمة التي ستوجه لكل من يعارض.ثم كيف يمكننا فهم الاعتراف بحق الكل بان يكون له رأيه المستقل والمختلف في هذه المبادرة وبين سيف العمالة والخيانة المسلط على الرؤوس.

الأمر المثير الأخر في الجدل القائم حول مبادرة الرئيس علي عبد الله صالح هو ذلك الحرص الذي يبديه الحزب الحاكم وإعلامه على استجداء المواقف المؤيدة لهذه المبادرة، وهو تناقض واضح بين حقيقة الشعبية التي تحظى بها المبادرة والحزب الحاكم عموما.

فطالما أن لديكم الأغلبية في الشارع وفي البرلمان فلست بحاجة لاستجداء أي موقف وبإمكانكم تمرير أي مشروع وأي مبادرة بعيدا عن إضاعة ماء وجوهكم استجداء لموقف هذا وذاك وبعيدا عن الشطط في تخوين كل من يلعن موقفا مغايرا لا ترضونه. طالما ارتضيتم التعددية والرأي والرأي الآخر.

ويبقى أن نقول انه هذا كان من حسنة لهذه التعديلات في حال إقراراها فهي إنها ولأول مره ستسمي الأشياء بمسمياتها وسينطبق شكل الحكم في اليمن على جوهره واللبيب بالإشارة يفهم.