من ضمن صادرات الغرب وتفننه في صناعة الحروب، إرسال المرتزقة، والذين حاربوا، بالنيابة عن جيوشه في المستعمرات، أو دول أخرى يدعي خروجها عن القانون، ولم يكن هذا الابتكار جديداً، فقد سبقه جلب مجندين أفريقيين لحروب الهند، والهند الصينية، وجلب آسيويين للاستيلاء على الدول الأفريقية، وجرى التصرف نفسه مع أميركا الجنوبية، ولعل ظاهرة (البلاك ووتر) أو "الماء الأسود" حراس المنشآت الأميركية في العراق، هي من ذات الطينة، إذ لم يكن مستغرباً أن تقوم هذه العناصر بإطلاق النار عشوائياً على الأبرياء من المواطنين، طالما الحراس فوق المساءلة وفوق كل القوانين المعمول بها في العراق، ولا يحق للسلطة الوطنية التحقيق معهم، أو حتى دعوتهم لمراكز الشرطة وغيرها، وهذا يثبت أن المتصرف بأمن العراق ليس الدولة، ولا الميليشيات المتقاتلة، وإنما الميليشيا الجديدة (بلاك ووتر) التي كسبت حصانتها من دولة الاحتلال..
ولا تتعلق القضية بشركة الحراسات وجنودها، وإنما هناك جنود ضمن الجيش الأميركي يقومون بأدوار لا تقل عنفاً طالما السلطة هناك تعدهم بمكافأة الجنسية والامتيازات المادية الأخرى وهذا المظهر من الحروب القذرة، لا يمكن وضعه في أي لائحة، حتى المنادين
بحقوق الإنسان ومحاكمات المجرمين، والادعاء بنشر ثقافة التسامح وغلق أبواب التمييز العنصري، جعلت إباحة الجريمة بالأساليب المبتكرة جزءاً من أهداف الحروب، ومن قاموا بتصميمها، وتنفيذها..
ليس العراق هو الشاهد الوحيد في المنطقة العربية على آخر النكبات، وإنما سبقته فلسطين وجرائم الجزائر، ولبنان ومصر، وغيرها ولعل سجل التاريخ العسكري الغربي مع المنطقة لم يبدأ من الحروب الصليبية، وإنما من عصور اليونان، والرومان، وإن اختلفت بمظاهرها وأهدافها الدينية، والمادية، ونحن الآن نعيش رحلة حروب المرتزقة الأميركيين الذين يعتقدون أن شعوب هذه المنطقة كم بشري لا يصلح إلا لأنابيب الاختبار، وهذا الشعور السائد عند العرب والمسلمين عموماً، هو الذي فرض حق الدفاع عن النفس، وعندما شعرت بعض التنظيمات فشل اليسار، والقومية، والحكومات بحق الدفاع المشروع، توالدت التنظيمات السرية التي قادت إلى التطرف على مبدأ "كل فعل يولّد رد الفعل الإيجابي، أو السلبي".
لقد وُجد العراق بحضاراته العظيمة والعريقة، قبل ان تتشكل سمات الدولة في أوروبا كلها، وقبل ان تطأ قدم أي إنسان من الهنود الحمر، أو المكتشفين الأوروبيين أميركا، ومع ذلك تبقى المعاملة لهذا الشعب العظيم صورة من بشاعة الفرز العنصري، ولعل سجن أبوغريب والإبادة الشاملة لقرى ومدن آمنة، والتسبب في انفجار المكنون المحبوس بين المتطرفين من الشعب العراقي جاء من خلال الانحياز لفئة دون أخرى حتى ان الاتهامات طالت مراكز سرية أمريكية سهلت وصول الأسلحة للميليشيات المتقاتلة عن عمد وسابق إصرار..
ومثلما كانت القوانين التي اعتمدها الاستعمار القديم بإعلان الوصاية على شعب أو أمه لتأهيلهما للحكم، جاءت ذرائع تعميم الديموقراطية وطرد الدكتاتوريات لنفس الغايات ولابد أن نفهم أن القيم لا تقدم هدايا حيث لكل شعب مذاهبه وتقاليده، ولا تُصنع وتُقدم معلبات لشعوب تدرك مصالحها، لكنها المطامع التي جعلت من المرتزقة جيوش عدل في زمن غياب العدالة!.
