إذا قال مفكر عربي إن الغزو الأميركي للعراق والإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين جرى تدبيره وتنفيذه بواسطة الشخصيات اليهودية الصهيونية صاحبة النفوذ داخل إدارة بوش فإنه سرعان ما يتصدى له أصحاب أقلام عرب لمهاجمته شخصياً وتسفيه قوله، الآن نتساءل كيف يكون موقف أمثال هؤلاء وقد ورد هذا القول بالفعل على لسان اثنين من أرفع الأكاديميين الأميركيين.
للتو صدر كتاب مرجعي بالإنجليزية بعنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية» من تأليف الأستاذين الجامعيين الأميركيين جون ميرشيمر وستيفن والت، هذا الكتاب جدير بالترجمة والتوزيع على أوسع نطاق في العالم العربي والإسلامي لأنه وثيقة أكاديمية محترمة تفضح عن طريق البيّنة العلمية الموضوعية كيف أن آلة صنع القرار العالي في الولايات المتحدة تخضع تماماً للإرادة اليهودية ومصالح الدولة الإسرائيلية ـ حتى على حساب المصالح القومية الحيوية للشعب الأميركي.
يقول المؤلفان بصراحة علمية إن المصلحة الإسرائيلية حصراً كانت السبب الحقيقي لحملة الغزو التي شنتها أميركا على العراق، وبينما كان جورج بوش وديك تشيني ودونالد رامسفيلد يقولون لشعب الولايات المتحدة والرأي العام العالمي قبل الغزو وبعده إن الحملة كانت تنطلق من مصالح أميركا إلا أنها كانت في الحقيقة تنطلق من مصالح إسرائيل.
وليس من الممكن اتهام هذين الأكاديميين الأميركيين بأنهما يكنان مشاعر كراهية ذاتية ضد اليهود. إنهما يقولان ابتداءً إنهما أرادا التصدي لظاهرة نفوذ «اللوبي» الإسرائيلي على السياسة الخارجية الأميركية باعتباره قضية من قضايا العصر الحيوية الجديرة باهتمام كل باحث أكاديمي حر، والدليل على احتكامهما إلى الموضوعية البحثية واعتبارات الأمانة العلمية أنهما يقولان إنهما يؤيدان حق إسرائيل في الوجود ويقرظان إنجازاتها.
لكنهما يتساءلان عما إذا كان ذلك مبرراً للحركة اليهودية ممارسة نفوذ لدفع السياسة الخارجية الأميركية في اتجاه يضر بالمصالح القومية للولايات المتحدة، وبشيء من التفصيل يتعرض المؤلفان لمنظمات الضغط التي من خلالها تمارس الحركة اليهودية نفوذها داخل مؤسسة السلطة الأميركية وفي مقدمتها «آيباك»®. الاسم المختصر لـ «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية».
وفي سياق تساؤل كبير عن علة النفوذ اليهودي يقول المؤلفان إن سبب العلاقة غير العادية بين أميركا وإسرائيل لا يمكن أن يعزى إلى أن الدولة اليهودية تمثل «كسباً استراتيجياً مهماً» للولايات المتحدة، «فبالرغم من أن إسرائيل كانت خلال عصر الحرب الباردة مفيدة لأميركا إلا أنها صارت منذ ذلك الحين عبئاً لأن الولايات المتحدة بدعمها الدولة اليهودية تنفر العرب والمسلمين وتجعل من نفسها هدفاً للإرهاب»، ثم إن الدعم الأميركي لإسرائيل ـ يقول المؤلفان ـ لا يجوز أن يبرر بادعاء أخلاقي. فوجود إسرائيل لم يعد في خطر.
ثم إنها ليست دولة ضعيفة.. فهي القوة المتفوقة في منطقة الشرق الأوسط التي تعارض قيام دولة للفلسطينيين مع ممارسة سياسة تمييزية ضد الأقلية العربية داخل الدولة اليهودية نفسها، وإذن ـ يواصل المؤلفان ـ فإنه بينما أن إسرائيل ليست مفيدة للولايات المتحدة وإن مسلكها قبيح فإن «شيئاً آخر» ينبغي أن يكون وراء الدعم الأميركي الثابت للدولة اليهودية، فما هو ذلك «الشيء الآخر»؟