لأكثر من عقد من الزمان والمجتمع السعودي يرى أن مسلسل (طاش ما طاش) هو الوجبة الرمضانية الأكثر إثارة له إعلاميا، حيث يعتقد الأفراد في المجتمع السعودي أن بطلا المسلسل استطاعا أن يتحدثا بلغة نقدية يفهمها الجميع. المسلسل لم يقدم شيئا مختلفا في المجال النقدي بل ظل لمدة خمسة عشر عاما ينقل نفس الصورة النقدية التي يتحدث بها كل فرد في المجتمع. نموذج (طاش) وسر بقائه جاء على حساب تيارات فكرية في المجتمع حاول المسلسل ركوب موجتها بطريقة نقدية فشلت كثيرا بينما لم تنجح إلا قليلا.
هذا المسلسل ولد من رحم الأبواب الخلفية للنقد الفكري في المجتمع السعودي، فهو في بدايته تزامن مع سيطرة تيارات الصحويين على المجتمع حيث كانت تصل إلى ذروتها في تحريك الفكر الاجتماعي بل اتسمت بسيطرتها على فلترة الأفكار جميعا وبدون استثناء قبل ظهورها إلى المجتمع.
عندما ولد هذا المسلسل في المجتمع لم يكن يتوقع منه أن يلعب لعبة فكرية في المجتمع فقد كان المتوقع منه أن يكون منضبطا لا يخرج عن مساره وخاصة انه فاجأ الجميع بنقده الحاد للإسلاميين في بداية الأمر وهذا ما جعلهم يشنون عليه الحرب بشكل مباشر ومنذ البداية.
الفكر المتشدد في المجتمع اعتبر أن مشاهدة المسلسل شكل من أشكال ضياع الوقت المنافي للدين وخاصة انه يعرض في رمضان ولكن لأن التوقيت الذي يعرض فيه البرنامج مميز فقد عجزت الكثير من تلك الممارسات لردع الناس عن مشاهدته أن تنجح.
إن مسلسل طاش استطاع الوصول إلى جميع فئات المجتمع بسبب توقيت عرضه الذي يأتي بعد الإفطار مباشرة، كما استطاع هذا المسلسل وخلال خمسة عشر عاما أن يواجه الكثير من الفتاوى الدينية التي حاولت القضاء عليه ولكن المجتمع لم يكن متوافقا مع تلك الفتاوى من الباطن فقد كان يشاهد (طاش) بنهم ويعلق على كل حلقة لهذا لم تؤت الحملات المناهضة لإيقاف العمل ثمارها مع أنها انتشرت بشكل كبير على شكل فتاوى ومحاضرات وخطب ومنشورات.
هذه قصة طاش بشكل مختصر ولكن بقي السؤال الأهم: هل أدى هذا المسلسل دورا نقديا حقيقيا في المجتمع السعودي..؟ أم انه شكل من التفريغ الذي يترك آثارا سلبية على المجتمع...؟
هذا السؤال كبير جدا ويحتاج إلى أكثر من إجابة ولكن يجب عدم إغفال الدور الذي لعبه المسلسل فنيا واكتشاف المواهب وتقديمها للمجتمع. من وجهة نظري لم يكن طاش وعلى مر هذه السنوات قادرا على استيعاب الفكر الاجتماعي بشكل جيد فلم تكن ثقافة ممثليه الفكرية قادرة على رسم خطوط العمل بأبعاد نقدية تترك مساحة من الفعل وليس الفكاهة، فكل ما هنالك مجرد نقد للسلوك الاجتماعي فقط يفتقد إلى بعد تحليلي واضح عدا النقد الذي كان موجها لمشكلات بعينها (كالمخدرات أو الأسهم).
لقد كانت النتائج دائما هي محور النقد والكوميديا في هذا المسلسل بمعنى دقيق لم يكن (طاش) يقدم منهجية فكرية واضحة لقراءة المجتمع بل كان مجرد صور فكاهية تعمل على إعادة جديدة لمشكلات المجتمع بشكل سطحي وهذا ما جعلها عرضة للنقد والهجوم بهذه الطريقة فتناول (طاش) للمشكلات الفكرية في المجتمع السعودي أساء إليها كثيرا وجعل الكثير من حلقات طاش تتطلب تدخلا من السياسة لإجازتها أو منعها.
المشكلة الأكبر التي وقع فيها المسلسل انه افتقد إلى منهجية واضحة في رسم خطوط النقد وتحليلها وخاصة انه أتيح له فرصة ذهبية عندما استطاعت قناة تلفزيونية خارج المجتمع السعودي أن تكسب إنتاج البرنامج، لقد كان المتوقع أن يقدم هذا البرنامج نماذج نقدية مختلفة عن تلك السابقة ولكنه ظل يثبت فكرة الظهور الإعلامي لممثليه دون التعمق في قضية المعالجة الاجتماعية.
لقد كانت اللعبة التي يديرها طاش خلال هذه السنوات خطيرة على المجتمع فقد رسخ في المجتمع فكرة أن الإسلاميين دائما متطرفون إرهابيون وخطرون على المجتمع وقد ظل يمارس هذا الدور لفترة طويلة من الزمن ثم جاء في الأخير ليرسخ أن الليبراليين مهملون وفاشلون في حياتهم الاجتماعية وأنهم غير قادرين على تقديم ما يفيد المجتمع سوى الصراع الفكري وأنهم مجموعة من فاقدي السيطرة على سلوكهم.
هذه الزلة الكبيرة لهذا المسلسل سوف تكلف المجتمع الكثير فليس كل الإسلاميين سيئون وليست الليبرالية بهذه الصورة، إنها إشكالية المفاهيم والسطحية في تعريفها. معالجة الأفكار بهذه السطحية خلال الخمس عشرة سنة الماضية هي التي أعلنت إفلاس هذا المسلسل ومحاولة ضرب جميع الأطراف ببعضها دون مبرر فكري أو اجتماعي تخبط غير مفهوم إلا بلغة واحدة هي لغة السياسة.
الطامة الكبرى ظهرت عندما أعلن ملاك هذا البرنامج بأنهم بحلقتهم عن الليبرالية إنما يعلنون أن موقفهم من جميع الأطراف في المجتمع واحد. سؤال مهم لابد من طرحه: أين موقفكم هذا منذ خمس أو عشر سنوات..؟
هل يمكن أن يكون ذلك تعبيرا عن إفلاس فكري يتعرض له (طاش) أم انه فقدان للجماهير وهذا ارتداد سريع على جميع الأطراف ومحاولة الوقوف بالمنتصف للكسب الجديد. الذي لا يعرف المجتمع السعودي يعتقد أن مسلسل (طاش) يشكل قمة النقد فيه، طبيعة المجتمع السعودي تختلف عن غيرها كما تختلف كل المجتمعات عن بعضها النقد بالنسبة للمجتمع السعودي إذا جاء على شكل كوميديا فهو مجرد عبارات يتنفس بها المجتمع.
ولذلك تعجبه الأفكار النقدية التي تتزامن معها مشاهد مضحكة يطير بها في الهواء ولكنه لا يتخذ موقفا ما لم تكن مسائل النقد فيه تتخذ موقفا جديا ومعالجة حقيقية يبني عليها الأفراد مواقفهم. المجتمع السعودي يتميز بنمطية مختلفة من حيث تلقي المادة النقدية وموقفه لا تحركه حلقة تلفزيونية فما يقوم به أفراد المجتمع هناك هي حركة مرتدة على ما يشاهدونه فغالبا.
وبعد انتهاء احدى حلقات طاش النقدية يبدأ الفرد بنقد الحلقة ولا يتخذ موقفا فكريا منها بل انه يبدأ بممارسة دور مختلف فبحسب الحالة والمجموعة التي ينتمي إليها يكون اتجاهه النقدي فإذا كانت المجموعة التي ينتمي إليها تؤمن بالفكرة آمن بها تلك اللحظة وإذا انتقل إلى مكان آخر تغيرت مفاهيمه بحسب الأجواء التي يعيشها.
مسلسل طاش كما اعتقد لم يكن يقدم سوى الكوميديا وهذا ليس هجوما على احد في المسلسل ولكن المتتبع لسنوات طاش يدرك هذه المنهجية، فلم يعالج المسلسل أفكارا اجتماعية ولم يقدم على اثر حلقاته حلولا بل انه ساهم في تصعيد الكثير من المواقف الاجتماعية وجعل المجتمع في كثير من الأحيان يعيش حالة فكرية نادرة من خلال طرح أفكار غير دقيقة عن الواقع. الصورة الكوميدية عموما في عالمنا العربي لديها نفس الإشكالية في التعامل مع المجتمع .
وهي في النهاية تخدم أهدافا محددة فحتى وان كانت تجهل هذه الأهداف لكنها في النهاية يجب أن تسير بنفس الطريق الذي يرسم لها. الخطورة أن يسمح بممارسة النقد الفكري بطريقة قاصرة وسطحية فالفكر في المجتمع ليس سلوكا فوضويا يمكن نقده بهذه البساطة وهذه الطريقة، كما أن الفكرة المغلوطة التي يطرحها الإعلام للمجتمع يصعب إزالتها وهنا تكمن خطورة أن تتاح الساحة لممارسات فكرية لا يتم التنبؤ بآثارها مسبقا.
الكوميديا التشهيرية ليست كوميديا فالكوميديا النقدية كما يطرحها الإعلام المتطور كوميديا تخلف سؤالا وتؤثر في سلوك المجتمع وتخلق مواقف ليس بالضحكة ولكن بالمعرفة والمعلومة والتحليل. أما إذا كانت القضية اضحك فقط فتلك هي ما أوصلنا إلى ذلك التخبط النقدي الذي فقدنا فيه معرفة الفرق بين السلوك والأفكار وبين الحقيقة والخيال.
كاتب سعودي
mhkm1111@yahoo.com