يمثل رمضان بالنسبة للمسلمين شهرا وليس ككل الأشهر، شهرا له طعم مختلف ونظام تعبدي لا يسري على بقية الأشهر من السنة، ليس فقط من حيث واجباته وعباداته الدينية، وإنما هو كذلك من حيث الحالة الاجتماعية الفريدة التي يخلقها في الناس كاسراً في ذلك تابوهات من نمط الحياة الاجتماعية التي درج الناس على ممارستها طيلة أشهر السنة الأخرى.
وهو شهر قد أشتهر بعباداته وأطعمته وتجمعاته الاجتماعية، إلا أن دخوله قد مثل في السنوات القليلة الماضية ازدهارا لصناعة سينمائية جديدة يمكن أن نطلق عليها بالصناعة الرمضانية التي لا تقتصر على صناعة الأطعمة والمأكولات وغنما تجاوزنه لتشمل في ذلك ما يطلق عليه بالصناعة التلفزيونية والتي بدأت في المنطلقة العربية بدأت بفوازير رمضان المصرية المشهورة والتي أثير حولها قدر من اللغط في مرحلة الثمانينيات ولربما جزء من التسعينات، إلا أن هذا الرفض قد بدأت دائرته تتقلص بعض الشيء بمرور الزمن، ولربما دفعهم نحو قبول ما كانوا رافضين له.
ففي السابق كان الكل يشاهد فوازير نيللي الرمضانية، إلا أن البعض قد وجد فيها خروجا عن الحالة العبادية لشهر رمضان.. ومع ذلك يبقى الزمن في الحسبة السوسيولوجية كفيل بتغيير الناس وتعديل مزاجهم الاجتماعي.
أي بمعنى أخر إن التلفزيون والصناعة التلفزيونية باتت تمثل في شهر رمضان أحد أهم الصناعات الرائجة وأكثرها درا للمال أو مصدرا لتعظيمه. وتأخذ هذه الصناعة مجالات عدة لا تقتصر على إنتاج المسلسلات التلفزيونية وإنما تبدأ بزيادة جرعة البرامج الدينية والتي بدت قيادات وعناصر التنظيمات الإسلامية العربية ماسكة بها في أغلب تلفزيونات المنطقة العربية وذلك بتميز خطاب بعض عناصره العلني بقدر من المرونة والقبول لبعض السلطات العربية.
و تمتد هذه الصناعة لتشمل تلك الاستعدادات التي تبدأ في التلفزيونات العربية قبل أشهر من شهر رمضان وتشمل إنتاج برامج ترفيهية خاصة والتي تأتي على شكل مسابقات وفوازير وبرامج أخرى متعلقة بفن الطبخ في رمضان وأخرى صحية وبرامج تاريخية وأخرى تعريفية برمضان في العالم بشكل عام.
إلا أن الأهم من كل ذلك هي تلك المسلسلات التي برعت التلفزيونات العربية في إنتاجها أو في بثها، من حيث أن بعض هذه المسلسلات يتم إنتاجها من قبل شركات خاصة تعد خصيصا لبعض التلفزيونات العربية أو تلك التي يتم إنتاجها بغرض الربح والربح فقط. وتنقسم هذه المسلسلات إلى مجموعات عده لربما هي على النحو التالي:
أولا: برامج أو مسلسلات خفيفة الظل غرضها التسلية والترفيه كالمسلسل الكرتوني الإماراتي المعروف بـ «الفريج» بمقابل كم آخر يفتقر لعناصر الإنتاج من حيث مستوى النص والأداء والإنتاج التلفزيوني. بل بدا بعضها ثقيلا على النفس بعد الوجبة الرمضانية المتخمة بالدهنيات والسكريات وغيرها.
ثانيا:مسلسلات يفترض أنها تعالج قضايا ومشكلات مجتمعات عربية وخليجية معاصرة، إلا أنها في عمومها بالإضافة لهبوط مستواها الفني، تفتقر للدقة في اختيار المشكلات وتتسم في عمومها بالضعف في المعالجة وتعتمد على أسلوب الإثارة وبثت شحنة درامية لاستقطاب المشاهد.
ثالثا: كما ويتميز رمضان عن باقي أشهر السنة الأخرى بالمسلسلات التي تبدو فيها جرعة الحنين للماضي(النستالجيا) كبيرة إن لم تكن متضخمة. وهي في هذا إما أنها تمجد ماضيا قريبا أو حقبة سياسية معينة كبعض المسلسلات البوليسية العربية (كرأفت الهجان) التي يتم عرضها في رمضان أو إنها تتكلم عن عهود تاريخية معينة حاولت المؤسسة الإعلامية للدولة العربية طمسها أو تشويه معالمها. كما في حالة مسلسل الملك فاروق والذي من خلال عرضه في تلفزيون الآم بي سي قد نجح بعض الشيء في تعديل الصورة التي رسمتها الثورة المصرية ومؤسسة الدولة للحكم الملكي السابق على ثورة يوليه المصرية وإنجازاته السياسية والاقتصادية.
أما الوجه الأخر لهذه المسلسلات فهي تلك المسلسلات التي تتحدث عن شخصيات في التاريخ العربي يتم تقديمها بصورة تقترب من المثالية المطلقة التي لا يمكن أن تخطأ أو أن ترتكب الخطأ أي أنها مسلسلات تعظم من الحالة الأسطورية لشخصياتها العربية والإسلامية. إن لم تكن هي راسمة صورة قد لا تكون واقعية لأصحابها.
وهي تقدم الماضي على أنه الصح المطلق أو أنه قد جاء بكل الصح وأن الحاضر في هذا يحمل كل الخطأ. وكأنها تحمل دعوة قوية مُطالبة بالعودة للماضي بأساطيره وشخصياته ونظمه وأنماط حياته، وذلك عبر تلك القدسية التي تصبغها هذه المسلسلات على شخصيات مسلسلاتها التاريخية.
أو أنها في بعضها، تمثل دعوة للعودة لقيم البداوة في مجتمعات لم تعد هذه القيم في بعض إن لم يكن في الكثير من جوانبها قادرة على التكيف أو الاتساق معها. أي إنها قيم وتوجهات بدت غير قادرة على التعايش مع عالمنا الجديد المعولم، وبدت وظيفتها تقترب من محاولة إعادة بث الروح في أنساق قيمة غير متسقة مع نسقنا الاقتصادي المعولم وإن كان بعضها يحمل وظائف أو وظيفية سياسية معينة.
إن بعضا مما يعرض بدا مشوها للوعي ماسخا للحقيقة أو مضخما لها، عاجزا عن إدراك مداخل حلول لواقع حاضر أو حتى الإطلال عليه. إنه حقا رمضان الكريم في نهاره وليله والسخي في طعامه والمقدس في عباداته وإنها دعوة لأن نكون أكثر قربا للواقع بعيون عصرية واعية لما يدور حولها مدركة للعصر وولوجه.
كاتب بحريني