تسرع إسرائيل الخطى والمناورات، فضلاً عن رمي بالونات الاختبار لضمان أن يكون مؤتمر الخريف مثل خريف أوراق الشجر: باهت، شاحب وبرسم الذبول والسقوط، كما سقط غيره من قبله عند أول نفخة هواء. حركة في كل الاتجاهات تستهدف التخريب على المشاركة في المؤتمر كما على جدول أعماله؛ ناهيك بمقرراته، إذ كان له أن يطلع بمقررات.

الأساليب والوسائل هي نفسها: خلق وقائع جديدة على الأرض، شروط تعجيزية ومطالب ملغومة. ورشة تمييع وتفخيخ للمؤتمر، تشارك فيها أطراف مختلفة، حكومية وحزبية وإعلامية. وهي تخدم أولمرت تماماً، إذ أنها تشكل الغطاء الذي يتلطى خلفه، في تعاطيه مع لقاء أنابوليس.

على صعيد الوقائع، باشرت سلطات الاحتلال بتنفيذ خطة أولمرت التي تقوم على تزخيم حركة الاستيطان والإمعان في تقطيع أوصال الضفة. صادرت المزيد من الأراضي لبناء آلاف الوحدات السكنية، في منطقة استراتيجية بضواحي القدس.

الغرض القديم ـ الجديد المعروف، هو ربط مستعمرة معاليه أدوميم بالمدينة المقدسة وبما يكفل قطع الشق الشرقي العربي من المدينة، عن باقي أراضي الضفة؛ وبالتالي تحويله إلى بقعة صغيرة وسط غالبية يهودية تحيط به من كافة جهات القدس الكبرى والغرض الآخر، الذي بات واضحاً هو الآخر، يتمثل في فصل مناطق شمال الضفة عن جنوبها. أما شق طريق بين أريحا والقدس فليس المقصود به ربط المدينتين أكثر من اقتصار ربط الأراضي الفلسطينية على شبكة طرق فقط.

وبنتيجة ذلك تكون إسرائيل قد أقامت البنية التحتية لدولتين، كما يقول العارفون بقضايا الاستيطان وخططه، واحدة من جزر فلسطينية وأخرى للمستوطنات؛ تكون امتداداً لإسرائيل في بطن الضفة.

رافق ذلك قائمة من المطالب ومحاولات جس النبض والتشويش تراوحت بين الاشتراط على السلطة بالعمل على استرجاع غزة ـ بزعم أن التسوية لا بد أن تكون مع عموم الشعب الفلسطيني، لكن القصد المخفي واضح ـ مروراً باستبعاد طرح ملفات أخرى وبالتحديد الجولان ـ إذاً كيف يكون مؤتمر سلام؟ ـ وانتهاء برمي بالون مقايضة «الأحياء العربية في القدس بالتخلي عن حق العودة للاجئين»!

وعلى الفور تحركت الاستطلاعات لتأتي بنتائج تفيد بأن أكثر من 60% من الإسرائيليين ضد تقسيم القدس.

وهي نسبة لا بد وأن يتسلح بها أولمرت ليتهرب من البحث بوضع المدينة. وهو في كل حال كان سبق وشدد، قبل أيام، بأن المؤتمر ليس بديلاً عن المفاوضات يعني أن بنود الوضع النهائي هي خارج جدول أعمال المؤتمر. وكان يمكن أن يكون لهذا الكلام ما يسمح بتسويقه لو أن أولمرت وافق على تحديد سقف زمني لمثل هذه المفاوضات؛ كما يطالب به الجانب الفلسطيني. لكنه رفض الجدولة. بل انه حرص على تكرار القول مؤخراً إن العملية طويلة والحل لا يزال بعيداً جداً!

كل ذلك يحصل عشية زيارة أخرى تعتزم الوزيرة رايس القيام بها إلى المنطقة، أواسط الأسبوع المقبل؛ بخصوص مؤتمر السلام. فهل هي تنوي العمل هذه المرة على كسح الألغام الإسرائيلية من طريق انعقاده ليؤتي ثماره أم أن القاعدة المألوفة المعمول بها في السابق لا تزال سارية وبالتالي فإن احتمال أن تلعب دور كاسحة ألغام هو احتمال سرابي؟ وحتى لو كانت هناك فعلاً نية جديدة فما هي؟ أهي الترويج لدويلة فلسطينية مقطعة ومفصلة على القياسات الإسرائيلية أم دولة قابلة للحياة؟