لأن الحياة في مجتمع شديد التعقيد، ومتخم بأكبر إشكاليات الوجود كالمجتمع الصيني صعبة جداً، فإن الصينيين لا يضيعون الوقت في الأمنيات والأحلام وهم الذين عرف عنهم قولهم: «الاعتقاد بالأحلام يعني النوم طوال الحياة»، ولا يختلف الإنجليز عنهم، فهؤلاء من الشعوب العملية جداً التي تعتقد بأن «الحالمين لا يقيمون البيوت الصالحة»، فإذا حطت بك الرحال في فرنسا وسألت عن وجهة نظر هؤلاء المفعمين بحب الجمال والثقافة والحرية فستجد لديهم قولاً يؤكد بأن «الحلم هو مشروع سعادة لا يمكن أن تبلغه يداك أبداً»!!
كنت وما زلت أتصفح ذلك الكتاب الذي رافقني فترة المرض خلال الأيام السابقة «قاموس الحكم والأمثال»، عندما توقفت كثيراً عند موضوع الأحلام، فأنا ما زلت أعتقد بأن الحلم شكل آخر للحصانة والدفاع ضد كل ما هو ضدك!
ولذلك يقول علماء النفس (احلم كثيراً، تعش سعيداً)، ومكمن السعادة في الحلم يأتي من كونه ارتقاء جميلاً نحو حالة أجمل، ولا يرتقي الإنسان إلى الجمال إلا إذا تحرر من قيود الواقع وتكبيلات الظروف وضغط الاحتياج والآخرين والطبيعة، وغيرها مما يعيق عن التحليق بعيداً.
والحلم ليس فقط تلك الرؤى والخيالات التي تنهمر من أعماق الروح والعقل لتنبت صوراً ومشاهد تملأ الليالي الباردة، والمنامات المطمئنة، والحلم ليس تعبيراً فجّاً أو إيحائياً لرغبات مكبوتة، ضاق بها عالم النهار والبشر، فاختبأت تحت الجفون والوسائد، الحلم رفيق عزيز جميل، ينمو معنا يكون أحياناً بعمر أعمارنا، يصاحبنا منذ لحظة الميلاد وحتى لحظة الرحيل، وكلما كنا أكبر من واقعنا، كانت أحلامنا عصية على حدود الميلاد وحدود الرحيل.
من كان له حلم ـ مهما كان هذا الحلم ـ فليقبض عليه، بروحه وبقلبه، وليتعهده بالرعاية، كأنه زنبقة صغيرة أو شجيرة فل عابقة، فالأحلام لا تضيع ولا تذبل، نحن الذين ننسى أن نرشها بماء الحياة كل صباح، ونتناسى أن نقول لها كل يوم صباح الحب أيها الحلم الجميل.
ليس صحيحاً أن الأحلام لا تبني بيوتاً صالحة، أو لا تجعل صاحبها ينال السعادة، فالمشكلة ليست في الحلم، فهذا مجرد فكرة نحن الذين نكوّنها، نخلقها، وننفخ فيها من روحنا لتصير عصفوراً جميلاً أبيض يملأ الفضاء جمالاً، ينقر نوافذ الحياة والمحال ليدخل إلى كل المساحات وينقر في داخل القلب ليبسط مساحة الأمل والحرية، ويزلزل رتابة الواقع والأيام والوجوه والظروف، المشكلة ليست في الحلم أبداً، المشكلة فيمن لا يعرفون كيف يرسمون أحلاماً بحجم ذواتهم وعلى شاكلة أرواحهم!
فإذا غادرتنا أحلامنا ورحلت، فنحن الذين دفعناها للرحيل، أوصلناها درجة اليأس، هي التي لا تتصالح مع اليأس، وأبداً لا تحب مصافحته، ولذلك تجدف بعيداً إلى أرواح أخرى وفضاءات أقوى.
نحن نتعلق بالأحلام التي تراودنا في منامات المساء الطويلة، ويدفعنا فضول الإنسان العجول لمعرفة الغيب ومخبوءات القادم المجهول، لمعرفة تأويلها لنعرف حقيقة أحلامنا، ونظل نسأل ونمني النفس: هل سيتحقق ما رأيناه أم لا؟ ومتى؟ وكيف؟
هذه حقيقة ثابتة في كل إنسان تقريباً. لا يستطيع أحد أن ينكرها، ذلك أن الاندفاع وراء تفسير الحلم ليس إلا محاولة التماس وتماس مع ما فيها من معان مخبوءة وتنبؤات تكشف حجب الغد وتسكننا بر اليقين الذي نتمناه جميعاً.
أما في ظني الخاص فإن ما يستحق هذا الاندفاع وهذا السعي هو أحلامنا التي ملأنا أنفسنا بها منذ أن عرفنا معنى أن يكون للإنسان حلم يسعى له وبه، هذه الأحلام هي ما تستحق أن نتلامس معها ونغرف منها، ونستقوي بها، ولا نترك لأي نوع من الشراسة وقبح الواقع أن يتسلل إليها أو يكسرها أو يسلبها منا في حالة لا وعي أو غيبوبة، أحلامنا هي حصانتنا ضد القبح والسقوط، هذه أول أبجديات الحلم.
