بعد يوم أو يومين سيحل علينا عيد الفطر المبارك، بعد غياب دام أحد عشر شهرا كعادته كل عام، فماذا أعد لنا هذا العيد وهل في جعبته من جديد؟
في العادة تكون الأعياد مناسبات لتبادل التهاني وإظهار الفرحة والبهجة، وتعزيز أواصر الألفة والمودة بين من يشتركون في الانتماء لهذه المناسبة والاحتفال بها، سواء كانت مناسبة دينية أو عيدا وطنيا أو ذكرى حدث تاريخي عام، أو حتى على المستوى الأسري أو الشخصي.
وبما أن العيد المقبل علينا هو أحد أهم عيدين في الإسلام، فالمفترض أن تكون الفرحة فيه عامة لجميع المسلمين، وان تتحد من خلاله مشاعرهم وتتوحد رؤيتهم وكلمتهم، ليس من أجل شن حرب أو صد عدوان أو مقاومة احتلال، كلاّ وحاشى أن نكون دعاة إرهاب أو مناصري حرية أو مطالبين بحق، فذلك ترف بات خارج نطاق ما يصل إليه بث آمالنا وأثير أحلامنا، حتى إشعار آخر مؤجل أو جيل جديد لا ندري إن كان قد ولد فعلا أم أنه لا يزال عَلَقَةً، وربما مجرد نطفة، في رحم الغيب!
إنما أقصى ما كنا نأمله أو نتمناه أن تجمعهم فرحة واحدة في يوم واحد، ولو لمرة واحدة على مدار العام كله. فهل هذه أمنية بعيدة المنال مستحيلة هي الأخرى؟
بالمنطق العقلي، لا شيء يمنع تحقيق هذا الحد الأدنى من التلاقي بين أبناء الدين الواحد والعقيدة المشتركة والنطاق الجغرافي المتصل أو المتقارب، وهم جميعا معرضون لذات المخاطر والتحديات وينتظرهم المصير نفسه، أرادوا ذلك أم لم يريدوه، هذا من حيث المنطق الطبيعي السليم، لكن واقع الحال المقلوب يبدو أن له منطقا آخر مختلفاً.
فالعيد المفترض أن يكون عامل وحدة وتوافق، تحول إلى مناسبة للتفرقة واختلاف المواقف وتباين الرؤى، كل يرى بعين مواقفه الخاصة ومن خلال أفقه الذاتي الضيق، وفي حين نجد البعض يتسابق قفزا وتنطيطا، وليس هرولة فقط، تقربا وزُلفى إلى العدو الموغل في عدائه والمتمادي في عدوانه، فإننا نرى الخلافات تتعمق والمسافات تتسع بين الإخوة والأشقاء، دولا وجماعات وأفرادا كذلك!
بالطبع لا غرابة ولا غضاضة في أن يتحاور المتعادون ويتفاوضوا، بل ويتصالحوا أيضا إذا توفرت شروط الصلح وعوامل التصافي، لكن التصالح يعني التفاعل والتعاطي (عطاء بعطاء) بين طرفين، أما أن يكون استجداء دون مقابل ومن طرف واحد، فذلك يمكن اعتباره أي شيء إلا أن يكون صلحا أو سلاما.
لكن ما لنا ولكل هذا الآن؟ وما علاقته بالعيد؟! هنا المشكلة. ذلك أننا لم نعد نميز الحدود والفواصل أو تفرق بين الأشياء والمناسبات، فتشابهت علينا الأعياد وغيرها من الأيام العادية وحتى المحزنة فـ «كله في الهم سواء».
لذلك يحق لطيب الذكر والشعر أبي الطيب المتنبي، في قبره، أن يسخر منا ومن حالنا وهو يرى أننا ما زلنا حتى اليوم نعاني حيرته ونردد صرخته التي أطلقها منذ نحو ألف ومئة عام، وما زال صداها مدويا دون أن تجد الرد الشافي أو الجواب المقنع، حين تساءل متهكما ساخرا من حاله وحال أمته:
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟
فهل عاد إلينا الإخشيدي الذي فجّر صرخة المتنبي تلك؟ أم أن الإخشيدي، كما صوره المتنبي، لم يغادرنا أصلا وما زال فينا هو الآمر الناهي؟
وحبذا لو كان الإخشيدي على صورته الصحيحة هو الموجود بيننا اليوم، بدل آخرين كثر يجثمون على صدورنا. فقد كان إداريا ناجحا وقائدا متمرسا وذا همة عالية رفعته من وضعية المستعبد الذي يباع ويشترى، إلى المكانة التي وصل إليها واليا للخليفة وقائدا لجنده في مصر. وهو صاحب المقولة الشهيرة عندما رأى أحد أصدقاء طفولته يعمل طباخا في مطعم شعبي:
«قعدت بهذا همته فكان كما ترون، وطارت بي همتي فكنت كما ترون، ولو جمعتني وإياه همة واحدة لجمعنا عمل واحد»، لكن الصورة الكاريكاتورية التي رسمها المتنبي عندما هجا كافور الإخشيدي، هي التي طغت على صورته الأصلية، وهي الطاغية الباقية بيننا حتى اليوم!
مع ذلك، ورغم كل ما سبق، لا نريد بالتأكيد أن نفسد على المعيّدين فرحتهم أو نسد شهيتهم ونقلب بهجتهم حزنا وأسى، لأن ظروفا قاسية فرضت عليهم، أو على الغالبية منهم، ولم تكن من اختيارهم ولا كانوا سببا فيها، بل نقول للجميع، وبلا استثناء.. عسى كل أيامكم أعيادا، وكل عام وأنتم أحسن حالا والأمة بخير وفي حال أفضل.